/
/
“صلاة الفجر”

“صلاة الفجر”

Picture of عائض الشعلاني

عائض الشعلاني

قدر لي اليوم أن أصلي الجمعة في جامع ليف التابع لمحافظة العقيق، وكانت الخطبة تتحدث عن أمرٍ هام نراه بشكلٍ يومي للأسف، وهي غياب الناس عن صلاة الفجر مع الجماعة في المساجد، والتي لا تزال المساجد ترفع شكواها إلى الله لتلك الصلاة المباركة “صلاة الفجر” التي تنوء بأعداد قليلة من المصلين في مشهد يتناقض تناقضاً صادماً مع ازدحام الحياة بعد شروق الشمس. ترى العجب العجاب كأنهم جراد منتشر، كلٌ يبحث عن مصالحه الدنيوية. لقد باتت صلاة الفجر اليوم اختباراً حقيقياً لصدق الإيمان ومقدار التعلق بالآخرة والخوف من غضب الله، وهو الاختبار الذي يُخشى الكثيرون أن يكونوا فيه من الخاسرين.

شيخ جامع ليف، وفقه الله وسدده، عايض الدريبي، كغيره من الخطباء الغيورين على دينهم، لا يملك إلا أن يتأوه ألماً وهو يرى تلك الصفوف القليلة في المساجد، وكأن الناس باتوا يجهلون أو يتناسون فضل هذه الشعيرة العظيمة. والمؤلم حقاً أن هذا التقاعس لا يقتصر على الشباب فحسب، بل يتجاوز إلى فئة من تجاوزوا الأربعين عاماً وأكثر، ممن قضوا شطراً كبيراً من حياتهم في غفلة عن هذا، وباتوا أقرب إلى لقاء ربهم. “فماذا أنتم فاعلون؟” ومع ذلك يجدون صعوبة في ترك دفء الفراش استجابة لنداء “الصلاة خير من النوم”.

لقد ذكر الخطيب في خطبته أهمية هذه الصلاة، وقد وفق في الاختيار وما فيها من الأجر العظيم الذي لا يُقدر بثمن. فمن الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن ركعتي سنة صلاة الفجر خير من الدنيا وما فيها. فكيف بمن أدرك الفرض في جماعة فضلاً عن السنة نفسها؟ إنها كنز عظيم وأجر يوزن بالدنيا بكل ما فيها من متاع زائل. ورغم ذلك يزهد فيه الغالبية، فأين عقول هؤلاء؟ ومن صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله، في حفظه ورعايته، وفي أول اختبار يومي ينجح في بدايته ليختتم يومه بالنجاح والتوفيق.

هذا الزهد في كنز الآخرة يتجلى بوضوح عندما نقارنه بالاهتمام البالغ عند الدوام والأعمال. فمع بزوغ أول خيط من خيوط الشمس، تبدأ ازدحام الشوارع والطرقات والحواري ذهاباً وإياباً. الكل يسارع إلى عمله ويبحث عن مصلحته في دنياه، يخاف فوات الرزق ويخشى تأخير العقاب الدنيوي من بشر مثله، ويسهر الليل يخطط ويدبر، وتجد الناس في قمة نشاطهم للدنيا. هذا التعلق والحرص الشديد على الدنيا هو ما يدفع للتقاعس عن الفجر، لأن العبد لم يجعل الآخرة همه الأكبر، بل جعل نفسه عبداً للدرهم والدينار والمستقبل الزائف.
لقد نسي الناس الآخرة في غمرة السعي الدنيوي نسيانٌ ظهرت آثاره على بيوت الله في وقت كان المفترض أن تكون فيه عامرة بالخاشعين الزاهدين العابدين الله كثيراً والعابدات، متجاهلين أن “الرزاق هو الله ذو القوة المتين” وأن التوفيق والبركة في الحياة يبدأ بالاستجابة لندائه في وقت السكون والنوم. إن الواجب على كل مسلم هو مراجعة النفس ومحاسبتها: حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا. فترك الفجر في جماعة ليس مجرد تفويت لأجر عظيم فحسب، بل هو علامة خطيرة على ضعف الإيمان في القلب، وهذه صفة من صفات أهل النفاق – عياذاً بالله – كما أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: “إن أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر”.
فلنجعل نداء الفجر هو المحطة الأولى لنجاحنا ومستقبلنا الحقيقي والفيصل الحاسم بين تعلقنا بالدنيا أو حرصنا على الآخرة، ولنعمر بيوت الله في هذا الوقت المبارك، سائلين الله أن يجعلنا ممن لا تفوتهم ركعتا الفجر اللتان هما خير من الدنيا وما فيها. حقيقةً، عندما يهتم الخطباء بأحوال الناس والتحدث عن شؤونهم لتوعيتهم وتذكيرهم، إنما هم يقومون بدورهم الحقيقي بدل التحدث عن قصص وأحاديث لن يسألهم الله عنها. تلك أمة قد خلت، لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت. نصح الناس وإرشادهم إلى الصواب ومساعدتهم في تخطي مشاكلهم هي أهداف سامية ومطلوبة اليوم أكثر من الماضي، لأن الكثير للأسف لا يعرفون عن دينهم إلا القشور، فهم في حاجة ماسة إلى تعليمهم أمور دينهم، أما دنياهم فهم متميزون جداً.
بقلم الكاتب / عائض الشعلاني.

اعلان

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى