/
/
العطاء… الباقي الذي لا يفنى

العطاء… الباقي الذي لا يفنى

Picture of بقلم _ عبدالحميد المالكي

بقلم _ عبدالحميد المالكي

‏يقول الله تعالى: {إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ}، وهي آية قصيرة في مبناها، عظيمة في معناها، تُلخّص فلسفة الحياة في كلمات معدودة. فكل عمل خيرٍ نصنعه، وكل بادرة لطف نمنحها، وكل بسمة نرسمها على وجه أحدهم، إنما نُحسن بها لأنفسنا قبل غيرنا.

في زمنٍ تتسارع فيه الأيام، وتغلب على العلاقات المصلحة والأنانية، يحتاج الإنسان أن يقف قليلاً مع هذه الحقيقة البسيطة: لن نخرج من الدنيا بما أخذناه، وإنما نخرج منها بما أعطيناه.

الصدقة… ربحٌ أبدي

حين يُنفق الإنسان من ماله، يظن أنه يُعطي الفقير، لكنه في الحقيقة يُعطي نفسه قبل أن يُعطي غيره. فالصدقة ليست مجرد إحسانٍ مادي، بل هي تجارة رابحة مع الله، تزيد المال بركة، وتطهّر النفس من الشح، وتزرع في القلب راحةً لا تُشترى.
الصدقة لا تُقاس بحجمها، بل بنية صاحبها؛ فربّ درهمٍ سبق ألف درهم، وربّ ابتسامةٍ صادقة كانت عند الله أعظم أجرًا من كيس ذهب.
كم من إنسانٍ تصدق سرًا فرفعت الصدقة عنه بلاء، أو فتحت له باب رزق، أو كتبت له حسنات لا يعلمها إلا الله.

الكلمة الطيبة… صدقة لا تُكلف شيئًا

اعلان

الكلمة الحلوة هي العطاء الذي لا يُكلّف شيئًا، لكنه يُحدث أثرًا عجيبًا في النفوس.
كلمة “جزاك الله خيرًا” أو “الله يوفقك” أو حتى “ابتسم.. كل شيء سيكون بخير” قد تُبدد حزنًا، وتزرع أملاً، وتُعيد إنسانًا إلى الحياة.
نحن في زمنٍ كثرت فيه القسوة والجفاء، وأصبح البعض يظن أن القوة في الصوت العالي أو في التجاهل، بينما القوة الحقيقية في اللين، في اللطف، في الكلمة الطيبة التي تُنير قلبك قبل أن تُنير غيرك.
إنها صدقة يومية لا تحتاج إلى مال ولا إلى جهد، لكنها تُضاعف رصيدك من الخير كل يوم.

جبر الخواطر… عبادة لا تُنسى

جبر الخواطر هو من أرقى صور العطاء، ومن أجمل تجليات الإنسانية.
حين تمد يدك لتواسي مكسورًا، أو تسمع لِمن ضاقت به الدنيا، أو تُشعر أحدهم أنه ليس وحيدًا، فأنت تمارس عبادة عظيمة قد لا تجدها في كتب الفقه، لكنها تسكن في قلوب الصالحين.
كم من شخصٍ جبرت خاطره فدعا لك بصدقٍ في ظهر الغيب، ففتح الله لك من أبواب الخير ما لا تتخيل.
جبر الخواطر ليس موقفًا عابرًا، بل أسلوب حياةٍ راقٍ يجعل صاحبه محبوبًا عند الله وعند الناس.

المشي في قضاء حوائج الناس… طريق إلى الجنة

قال رسول الله ﷺ:

“والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.”

كل من يسعى في قضاء حوائج الناس إنما يسعى في قضاء حاجته هو.
فالله يُجازي الإحسان بالإحسان، ويُسخر لك من يقضي أمورك كما قضيت أمور غيرك.
العطاء لا يضيع، بل يعود مضاعفًا؛ قد لا يكون بنفس الصورة، لكنه يعود في رزقٍ، أو صحة، أو راحة بال، أو بركة في العمر.

كم من إنسانٍ ترك أثرًا طيبًا في حياة الناس، فبقي ذكره حيًا بعد رحيله!
وكم من آخر عاش لنفسه فقط، فلم يذكره أحد بعد غيابه!
العظمة ليست في كثرة ما نملك، بل في عمق ما نمنح.

العطاء لا يُقاس بالماديات

ليس كل عطاءٍ مالًا، فهناك من يُعطي وقتًا، ومن يُعطي علمًا، ومن يُعطي دعمًا معنويًا.
الابتسامة عطاء، والإنصات عطاء، وحتى الدعاء الصادق في ظهر الغيب عطاء.
قد تكون فقيرًا في المال، لكنك غنيٌّ بالحب والنية والرحمة.
والله لا ينظر إلى حجم ما تُعطي، بل إلى صدقك في العطاء.

ما يبقى بعد الرحيل

نحن نعيش أعمارًا محدودة، وسنين تمضي سريعًا، لكن ما يبقى بعدنا هو الأثر.
لن يسأل الناس كم جمعنا من مال، بل كم من قلبٍ أسعدنا، وكم من إنسانٍ دعمناه، وكم من خيرٍ تركناه.
إن ما نزرعه اليوم من خيرٍ سيظل يثمر بعدنا، وقد نجد ثماره يوم نحتاجها أكثر.
فالأعمال الطيبة لا تموت، بل تُخلّد أصحابها في ذاكرة الزمن ودفاتر الملائكة.

العطاء في رؤية المملكة 2030

ولأن العطاء قيمة متجذرة في المجتمع السعودي، فقد عززتها رؤية المملكة 2030 ضمن محاورها التي تُشجع على العمل التطوعي والمسؤولية الاجتماعية وتمكين القطاع غير الربحي.
فقد تحولت ثقافة العطاء من مبادرات فردية إلى منظومة مؤسسية تُسهم في بناء الإنسان وتنمية المجتمع، وهذا ما يجعل من كل عملٍ خيري لبنةً في صرح الوطن.
وهنا يظهر دور القيادة الحكيمة التي غرست قيم الخير في أبناء الوطن، فصار العطاء سلوكًا وطنيًا قبل أن يكون واجبًا دينيًا.

في الختام

الحياة قصيرة، وأجمل ما فيها أن نعيشها بقلوبٍ تُحب وتُعطي وتُسامح.
قد نرحل يومًا، لكن يبقى الأثر الطيب شاهدًا على أننا مررنا من هنا وتركنا وراءنا شيئًا جميلاً.
فلنُحسن لأنفسنا قبل غيرنا، ولنزرع في دروب الناس ما نحب أن نجده حين نعبر طريق الحياة.

فحقًا، لن نخرج من الدنيا بما أخذناه، وإنما نخرج منها بما أعطيناه.

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى