في مشهدٍ جسّد إرادة الجنوب وصلابة الموقف، احتشدت جماهير محافظات جنوب اليمن يوم الثلاثاء الموافق 14 أكتوبر 2025م في ميادين العزة والكرامة، لإحياء الذكرى الثانية والستين لثورة 14 أكتوبر المجيدة، الثورة التي دشّنت مسيرة التحرر من الاستعمار، وأرست معاني السيادة الوطنية لدولة الجنوب (اليمن الجنوبي سابقًا).
الاحتفال الذي دعا إليه المجلس الانتقالي الجنوبي تحوّل إلى تظاهرة سياسية وجماهيرية غير مسبوقة، حملت رسائل داخلية وخارجية واضحة، أبرزها التأكيد على الموقف الجنوبي الثابت برفض أي مفاوضات تنتقص من حق شعب الجنوب في الاستقلال واستعادة دولته كاملة السيادة، والعودة إلى ما قبل عام 1990م.
كما أكدت الجماهير رفضها لأي تفاوض مع المليشيا الحوثية الإرهابية، مطالبةً بخروج قوات المنطقة العسكرية الأولى من وادي حضرموت، باعتبار ذلك خطوةً ضرورية لترسيخ الأمن والاستقرار في الجنوب.
وفي قلب المشهد، جاءت زيارة رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي اللواء عيدروس قاسم الزُبيدي إلى محافظة الضالع لتضيف بعدًا رمزيًا وسياسيًا خاصًا، جعل من المدينة مركز انطلاق جديد في مسيرة الجنوب نحو استعادة دولته وبناء مؤسساته.
الضالع… العاصمة الثورية لفعالية أكتوبر
شهدت مدينة الضالع فعالية جماهيرية حاشدة بمشاركة عشرات الآلاف من المواطنين الذين توافدوا من مختلف المحافظات الجنوبية، رافعين الأعلام الوطنية وصور الشهداء ومرددين الشعارات الثورية التي تؤكد على استمرار النضال الجنوبي.
وفي كلمته خلال المهرجان، قال اللواء عيدروس الزُبيدي:
> “الجنوب اليوم يكتب فصلًا جديدًا من تاريخه، عنوانه البناء والسيادة، ولن يقبل بأي حلول تُكرّس التبعية أو تعيد الماضي.”
وأكد أن “موقف المجلس الانتقالي الجنوبي واضح وثابت: لا تفاوض ينتقص من حق شعب الجنوب في استقلاله، ولا تسوية قبل استعادة كامل الحقوق والأرض، مع الاستمرار في مواجهة المليشيا الحوثية الإرهابية وأذرع المشروع الإيراني.”
كما افتتح الزُبيدي خلال زيارته عددًا من المشاريع التنموية والخدمية في مديريتي الأزارق وجحاف، في خطوة رمزية تؤكد أن الجنوب لا يكتفي بالنضال السياسي والعسكري، بل يمضي نحو البناء والتنمية كخيار استراتيجي.
الفعاليات التي شهدتها محافظات جنوب اليمن في الذكرى ال62 لثورة ال14 اكتوبر
حضرموت
شهدت مدينة شبام التاريخية مهرجانًا جماهيريًا كبيرًا شاركت فيه قيادات المجلس الانتقالي وعدد من الشخصيات الاجتماعية والقبلية.
أكدت الكلمات أن حضرموت جزء أصيل من الجنوب، وأن إدارة شؤونها الأمنية والعسكرية يجب أن تُسند إلى أبنائها.
كما شدد البيان الختامي على مطلب خروج قوات المنطقة العسكرية الأولى من وادي حضرموت لمواجهة المليشيا الحوثية الإرهابية، باعتبارها قوات تُحسب على الدولة الشرعية، وبما يمهّد لتحقيق الأمن والاستقرار في المحافظة النفطية الأهم في الجنوب.
العاصمة عدن
في العاصمة عدن، احتشدت الجماهير لإحياء الذكرى في ساحات كريتر وشارع البنوك، مؤكدين أن عدن ستبقى العاصمة السياسية والاقتصادية للجنوب، ومركز القرار الوطني لمشروع الدولة الفيدرالية الجنوبية.
أبين ولحج وشبوة
شهدت هذه المحافظات فعاليات جماهيرية وخطابية متزامنة حملت شعار “أكتوبر الثورة والهوية الجنوبية”، أكدت جميعها وحدة الصف الجنوبي ورفض أي محاولات لاختراق المشروع الوطني.
المهرة وسقطرى
نظّمت القيادات المحلية للمجلس الانتقالي فعاليات رمزية رفعت فيها الأعلام الجنوبية ورددت الشعارات المؤكدة على التمسك بالقرار الجنوبي المستقل ورفض أي وصاية خارجية على قرار شعب الجنوب.
بعض ما جاء في مضامين البيانات الختامية
1. رفض التفاوض مع المليشيا الحوثية الإرهابية:
أكدت البيانات الصادرة من الضالع وحضرموت وعدن أن الموقف الجنوبي ثابت في رفض أي مفاوضات مع الحوثي، معتبرةً أن أي محاولة للتقارب معه تُعد خروجًا عن الإجماع الوطني الجنوبي.
2. المطالبة بخروج قوات المنطقة العسكرية الأولى من وادي حضرموت:
شددت البيانات على أن وجود تلك القوات يشكّل عقبة أمام الاستقرار في حضرموت، ودعت الحكومة والتحالف العربي إلى دعم مطلب أبناء الجنوب في تمكينهم من إدارة أمنهم وأرضهم.
3. التفويض الشعبي لقيادة المجلس الانتقالي:
جددت الجماهير تفويضها الكامل لقيادة المجلس الانتقالي الجنوبي برئاسة اللواء عيدروس الزُبيدي، لمواصلة المسار السياسي والعسكري حتى تحقيق الهدف النهائي باستعادة الدولة الجنوبية المستقلة.
4. التأكيد على الشراكة الاستراتيجية مع التحالف العربي:
أكدت البيانات أن الجنوب سيبقى شريكًا استراتيجيًا للتحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة في مواجهة المشروع الإيراني وأذرعه الحوثية وجماعات التطرف والإرهاب.
5. الالتزام بالبناء والتنمية:
شددت الفعاليات على أن التنمية تمثل الوجه الآخر للنضال السياسي والعسكري، وأن الجنوب يسعى لتأسيس نموذج مستقر وآمن يخدم مصالح المنطقة والعالم.
أبعاد ودلالات سياسية وإقليمية
1. رسالة جنوبية موجهة إلى الداخل والخارج:
الحشود المليونية في الضالع وحضرموت لم تكن احتفالًا فقط، بل رسالة قوة وإصرار موجهة إلى الداخل اليمني والعواصم الإقليمية مفادها أن الجنوب اليوم يمتلك إرادة سياسية راسخة وقاعدة جماهيرية صلبة قادرة على فرض خياراتها الوطنية.
2. انسجام الموقف الجنوبي مع الرؤية الخليجية:
تتقاطع المطالب الجنوبية بالاستقرار ومحاربة الإرهاب ورفض المشروع الحوثي مع الرؤية الخليجية بقيادة المملكة العربية السعودية التي تؤكد على استقرار اليمن وقطع يد إيران عن تهديد الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب.
ويعكس التحالف بين المجلس الانتقالي الجنوبي والتحالف العربي شراكة أمنية واستراتيجية في مواجهة التحديات الإقليمية والمليشيات العابرة للحدود.
3. خروج قوات المنطقة العسكرية الأولى… إعادة تموضع أمني:
المطالبة بإخراج تلك القوات ليست قضية محلية فحسب، بل تعبّر عن إعادة تموضع أمني جنوبي يهدف إلى توحيد القرار العسكري، وتأمين الموارد النفطية، وحماية الاستثمارات الإقليمية والدولية في حضرموت والمهرة.
4. تحوّل الخطاب الجنوبي من الثورة إلى الدولة:
المزج بين خطاب المقاومة والتنمية يعكس نضجًا سياسيًا متزايدًا لدى المجلس الانتقالي، الذي بات يُقدَّم اليوم كـ كيان مؤسسي مسؤول قادر على إدارة شؤون الدولة والمشاركة الفاعلة في منظومة الأمن الإقليمي.
5. البعد الخليجي والدعم الإنساني:
الافتتاحات التنموية التي رعاها الزُبيدي بدعم إماراتي تبرز التكامل الخليجي في دعم الجنوب، وتؤكد أهمية استمرار هذا الدعم في المجالات التنموية والتعليمية والخدمية، تعزيزًا للاستقرار ودعمًا للشراكة العربية والعالمية .
تُعد الذكرى الـ62 لثورة 14 أكتوبر هذا العام محطةً فارقة في التاريخ لليمن الجنوبي المعاصر؛ إذ تحوّلت من مجرد احتفال رمزي إلى إعلان موقف سياسي واضح المعالم.
الرسالة التي خرجت من الضالع وشبام والعاصمة عدن وبقية محافظات الجنوب تقول بوضوح: “الجنوب ماضٍ بثبات نحو استعادة دولته، ولا حوار مع الإرهاب، ولا تراجع عن حق تقرير المصير.”
وبذلك، أعاد جنوب اليمن في أكتوبر 2025 تأكيد موقعه الفاعل في معادلة الأمن الإقليمي والعربي، متسلحًا بعلاقته التاريخية الوثيقة مع دول الخليج بقيادة المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، ومؤمنًا بأن مستقبل المنطقة يبدأ من جنوبٍ مستقرٍّ، حرٍّ، وموحّدٍ من المهرة إلى باب المندب .





















