/
/
القَمَرُ الذي أفلَ

القَمَرُ الذي أفلَ

Picture of أ. د. غازي بن غزاي العارضي.

أ. د. غازي بن غزاي العارضي.

ثمة شخصيات اعتبارية لها بصماتها الواضحة في الحياة ، يستحيل طي سيرتها على عجل ، دون أن تأخذ طريقها إلى الذاكرة الجُمَعية محفورة في ذاكرة الوعي واللاوعي بالفخر والإنجاز والأثر الكريم ، ومن الشخصيات التي رحلت بهدوء، مشيعة بالحب والوفاء والدعاء، دون ضجيج، ذلكم العالم الجليل والخطيب المصقع والفقيه النبيه الشيخ العلامة عبدالعزيز بن عبدالله ال الشيخ ( رحمه الله ) الذي رحل عن دنيانا الفانية إلى دار البقاء محفوفاً ومعطراً بتاريخ حافل بالإنجازات العلمية والدعوية ، وسيرة عطرة بفضائل الأقوال والأفعال ، يذكرنا في صباه وفي شبابه ومسيرة حياته بسيرة الأئمة الكرام( مالك والشافعي وأحمد رحمهم الله ) حيث درجوا في الصبا على الصلاح والاستقامة والتعلق بالعلم النافع ، وتربى كل منهم في حجر أم صالحة حازمة فطنة ، فقد وجهت أم مالك ( رحمها الله ) أبنها الذي يحب صيد العصافير إلى طلب العلم ودراسته ، فعممته ودفعته إلى حلقة ربيعة الرأي ( رحمه الله ) في المسجد النبوي ، بينما حملت أم الشافعي ( رحمها الله ) أبنها من فلسطين إلى مكة حيث مرابع قومه من قريش، ودفعته إلى بادية هذيل ، وهناك فتق لسانه بالفصاحة والبلاغة وقرض الشعر ولم يزل في مقتبل العمر ، وألمّ بعلوم العربية شفاهاً وكفاحاً من اهلها ، وقدمت أم احمد ( رحمها الله ) بإبنها من مرو حاملاً وحطت رحالها بولادته في بغداد ، ولم تزل ترسل إبنها من صباه يختلف إلى حلقات العلم في مدينة السلام مدينة الرشيد ( بغداد ) حتى شب عن الطوق فجمع بين فنون العلم كفاحاً بما يشمل الحديث والفقه والعربية حتى بلغ رتبة المجتهد المطلق ، ويأتي شيخنا العلامة عبدالعزيز ال الشيخ ( رحمه الله ) على سمتهم ونهجهم حيث فقد بصره صغيراً واحتضنته أمه الحازمة الصالحة ووجهته إلى تلقي العلم على علماءوقته في الرياض ، ولم يزل الشيخ يشدو في طلب العلم حفظاً ومذاكرة ومدارسة وتأليفا وتعليماً ،في المعاهد والجامعات وحلقات المساجد العامرة ، وانظم إلى كوكبة من كبار العلماء واصبح نائباً لحبر الأمة وعالمها بلا منازع الذي جمع بين الزهد والكرم والعلم والفقه وعلم العقيدة والحديث وسائر العلوم الامام العلامة المجتهد الشيخ عبدالعزيز بن باز ( رحمه الله ) وبعد وفاته اصبح شيخنا ( عبدالعزيز ال الشيخ رحمه الله ) المفتي العام للمملكة ودأب على استمرارية الدعوة على نهج علماء الدعوة بوسطية واعتدال إينما حل وارتحل، ويهمنا في هذا المقام أن نقتنص شذرات من سيرة شيخنا الجليل العطرة لتكون زاداً للأجيال القادمة ، بحيث لاتمر ذكرى وفاته ( رحمه الله ) دون قراءة واعية ومستبصرة لمناحي سيرته العطرة ، التي يدعى الجيل الحاضر أن يلم بها لتكون رصيداً لهو في الحياة ، ومن أبرزها مايلي :
١- أهمية أختيار الأم الصالحة في توجيه أبنائها نحو معالي الأمور .
٢- أن الإعاقة البصرية لن تكون عائقا أمام ذوي العزائم فقد كف شيخنا عبدالعزيز ال الشيخ ( رحمه الله ) مبكراً ورغم ذلك شدا في ميدان الطلب حتى بز أقرانه.
٣- تسنم شيخنا الجليل ( رحمه الله ) منصب الإفتاء بكفاءة واقتدار ، إذ لايترشح له إلا من تتوفر فيه خلال العلم العميق، والفهم الدقيق لرسوم الشريعة وروحها وقواعدها والزهد والورع وسمو الأخلاق، والذكاء والألمعية ، وتلك من ابرز سمات الشيخ عبدالعزيز ال الشيخ ( رحمه الله ) إذ لم يؤثر عنه شذوذ في الفتوى أو تورط في الأغلوطات أو انتحاء للتحزب والتصنيف أو الإشتغال بالقدح في معاصريه أو ممن قبلهم بقدر ما قام ( رحمه الله ) بخطوة لم يسبق إليها ، وذلك بالحج نيابة عن كبار أئمة الإسلام الذين قعدت بهم الميعقات عن أداء فريضة من أمثال الأئمة ( ابن حزم وغيره) ، وبقدر ما كان عالماً ومفتياً ومربياً لعموم المسلمين ، لم ينس الإهتمام بقضايا المسلمين حيث تتوارد إليه مطالب الفتوى وغيرها من كل حدب وصوب.
٤- لقد اثبت المذهب الحنبلي
أنه مصنع العلماء المؤصلين ، الذين تجرودوا لطلب الحق وتحكيم الدليل وعدم التعصب والعنصرية ، والانفتاح بثقة على الآخرين، وهذا ما رأيناه في سيرة شيخنا ( رحمه الله ) وهو تاريخ حافل مشهود لسائر علماء دعوة التوحيد والتجديد كابراً عن كابر وجيلاً بعد جيل حتى عصرنا هذا، وكان لسماحته إهتمام بالتأليف والتصنيف ومن أبرز مؤلفاته:( كتاب الله عزوجل ومكانته العظيمة ) وكتاب (حقيقة شهادة أن محمد رسول الله ) وكتاب ( الجامع لخطب عرفة ) بالأضافة إلى فتاويه التي رتبت على أبواب الفقه ) مما يثبت أن الحنابلة أفضل من مثل السلفية بوسطية واعتدال وشمولية بعد القرون الفاضلة.
وحق أن يوصف سماحته ( رحمه الله ) بالقمر الذي أفل

قمرٌ ترجلَ للمحاقِ مودعاً
نوراً تَشَعْشَعَ واسعاً ومُسمِّعا

من نبعةِ العلمِ الأصيلِ بنى له
بيتاً عزيزاً بالفضيلةِ مُفْعَما

جمعَ العلومَ درايةً وروايةً
وسرى إلى أُفُقِ البلاغِ مُعلِما

تاريخُ فضلٍ لا ينهنهُ في الدُنا
من جدهِ الأعلى ينير مسامعا

اعلان

أ.د غازي غزاي العارضي
المدينة المنورة.

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى