/
/
المساحات ونبش الأحقاد

المساحات ونبش الأحقاد

Picture of بقلم _ مهدي العبار العنزي

بقلم _ مهدي العبار العنزي

لم يعد خافياً أن بعض ما يُطرح في “المساحات” على منصات التواصل الاجتماعي قد تحوّل، مع الأسف، من فرصة للحوار والتنوير إلى أداة لإثارة الأحقاد وبعث الصراعات من قبورها. نسمع بين حين وآخر من يكرر أحداثاً مضت منذ قرون طويلة، في عهد الدولة الإسلامية الأولى وما تلاها من الأموية والعباسية والعثمانية، فيُبرزون صور التناحر والاقتتال، حتى يخيل للمستمع أن التاريخ لم يكن سوى دماء وصراع على السلطة.

إنها صورة مشوهة، ومبتورة من سياقها، إذ إن للتاريخ وجهاً آخر مضيئاً، أغفله هؤلاء الذين نصبوا أنفسهم “مؤرخين” في فضاء هذه المساحات. فالسلف الصالح لم يكونوا مجرد أسماء على صفحات الكتب، بل كانوا قدوات في العدل والرحمة وحمل رسالة الإسلام إلى العالم. لقد رفعوا رايته خفاقة، مقتدين بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، الذي أوصى بعدم قتل شيخ ولا امرأة ولا طفل، وعدم هدم صوامع العُباد أو قطع الشجر. هذه القيم العظيمة هي ما ينبغي أن يُقدّم للأجيال، لا مشاهد الدماء والاقتتال.

ثم إن من حق أبنائنا أن يعرفوا الوجه المشرف لتاريخنا القريب، لا أن يُغرقوا في تفاصيل فتن بعيدة. ألم يكن الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود – طيب الله ثراه – رجل وحدة وعدل، حوّل الجزيرة من ساحات فوضى ونهب واقتتال إلى دولة قوية مستقرة تنعم بالأمن والرخاء؟ ألم يقم مع رجاله الأبطال بتوحيد الصف ولمّ الشمل، حتى غدت هذه الأرض قبيلة واحدة اسمها “المملكة العربية السعودية”؟

ومن بعده، سار أبناؤه الملوك على النهج نفسه، فامتدت إنجازاتهم إلى داخل الوطن وخارجه، وأسهموا في خدمة الإنسانية جمعاء. هذه الحقائق القريبة الماثلة للعيان أولى بأن يتذكرها شبابنا، لأنها تمنحهم الثقة في حاضرهم وتدفعهم إلى البناء لمستقبلهم، بدلاً من أن يعيشوا أسرى قصصٍ مظلمة من الماضي لم يجنِ منها أسلافنا سوى الانقسام والفتن.

قد يقول قائل: إن التاريخ أمانة، ولا بد من ذكره كما هو، بأحداثه المضيئة والمظلمة. وهذا صحيح من حيث المبدأ الأكاديمي. لكن السؤال: هل من الحكمة أن يُقدَّم لشباب الأمة على منصات مفتوحة، وفي صياغة سطحية تركز على الدماء والصراعات، متجاهلة القيم والمواقف الإنسانية؟ وهل من الأمانة أن يُقال: إن الحكم في تاريخ المسلمين لم يكن ليأتي إلا عبر القتل والاقتتال؟

اعلان

المنهج السليم أن نقرأ التاريخ للعبرة لا للفتنة، وأن نستلهم منه القيم التي تعزز وحدتنا، لا أن نثير به خلافات عفا عليها الزمن. شبابنا اليوم ليسوا بحاجة إلى من يفتح لهم دفاتر الفتن القديمة، بل إلى من يُضيء لهم دروب البناء، ويعرّفهم بمواقف قادتهم العظام، وبالمنجزات التي تحققت في وطنهم، والتي تضع المملكة في مصاف الدول الرائدة.

إننا لسنا نُزايد أحداً في حب الوطن، فكلنا أبناء وطن واحد، نعيش فيه بعز وأمن وعدل، ونجتمع على كلمة سواء. لكن من واجبنا أن نحذر من تحويل التاريخ إلى وقودٍ لصراعٍ جديد. فالتاريخ ليس مجرد حكايات عن دماء وفتن، بل هو رسالة وقيم. فإما أن يكون نوراً يهدي، أو أداة هدم إذا أُسيء استخدامه

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى