تشمل العطور التقليدية في السعودية عطوراً فاخرة وغنية تُستخدم فيها مكوّنات طبيعية مثل العود، المسك، العنبر، والورد الجوري الطائفي مع الزعفران. تعكس هذه العطور التراث السعودي الأصيل، وتمزج بين التقنيات التقليدية والحديثة في صناعتها، وتقدّم روائح دافئة وغنية تعبر عن الفخامة والجمال في الثقافة السعودية، ولكن هناك نوع آخر من العطور تعبق في الجنوب الغربي من المملكة، تختلف عن العطور التقليدية اختلافاً جذرياً فهي محمولة على رؤوس رجال أهالي هضبة إمارة عسير المرتفعة، أكثر مناطق المملكة العربية السعودية جبليةً، حيث يكمن أحد أجمل أسرار الحضارة العربية وأكثرها كتماناً لقرون خلت؛ كزينة تقليدية شبيهة بتيجان الملوك والأمراء في ماضي العصور تُسمى “عصابة الرأس” أو “الغراس” أو “المخضارة” أو “عكاوة” أو “الخطور” أو غيرها مكوّنة من الزهر الطبيعي.
تمتاز المملكة بتنوع تضاريسها، وبتعدد ثقافاتها المحلية المندمجة جميعها فيما بينها ضمن البوتقة السعودية العربية الاسلامية الأصيلة، وتشغل المملكة مركز الصدارة بموقعها الاستراتيجي ودورها الريادي، وبشرف وجود الحرمين الشريفين وعدد لا يُحصى من النصب الأثرية ما قبل اسلامية وما بعد اسلامية وبعمرانها التراثي الأصيل من منازل تقليدية وحصون وقلاع وثرواتها الهائلة وبشعبها الحي الموهوب الشَغِف بالجمال والعطاء والأصالة والمحافظة على القيم والتقاليد، وهو الذي ينعم بجو من الاستقرار والنهضة والنمو وأجواء الحداثة وفق رؤى رسمية طموحة وذكية.
من بين مآثر الشعب السعودي، تبدو ربما “رجال الزهور” كمفردة ثقافية وجمالية تكاد تكون مجهولة لكثيرين، لكنها بحق مأثرة باهرة من تراث العربية السعودية ينمّ عن تقليد حي وأنيق وأصيل ورائد بين الأمم؛ يزداد الاهتمام الرسمي والشعبي به يوماً بعد يوم، ويجلب الأنظار محلياً وعالمياً.
إضافةً للفخر والاعتزاز بالانتماء، تتجلى فوائد وضع الزهور على رأس الرجال في عسير بكونه تقليد عريق من تقاليد المنطقة، حيث تعد الزهور جزءاً من الزينة التقليدية تمنح الرجال مظهراً جميلاً وتعبر عن الأصالة والفخر بالتراث المحلي، بالإضافة إلى هذه الفوائد الجمالية والثقافية، يمكن أن تساهم الزهور في تحسين الحالة النفسية للأفراد عن طريق خفض التوتر وزيادة الشعور بالسعادة والحضور اللطيف الجميل.
ومن أشهر من يضع الزهور فوق رأسهم، هم رجال قبيلة قحطان السعودية، الذين يتركزون اليوم في جنوب شبه الجزيرة العربية، وهم أقدم القبائل في المنطقة ومعروفين باسم “رجال الزهور” نظراً لزينة رؤوسهم الزهرية المُتقنة، وبالتالي يعود لقبهم الزهري إلى أن العديد من رجال القحطانيين يزينون رؤوسهم بتشكيلات معقدة من الأعشاب والزهور والحشائش.
كان البروفيسور الفرنسي الراحل “تييري موغر” Thierry Maugerأول من ابتكر عالمياً وأطلق هذا الوصف على سكان القبيلة. حيث أثارت صور رجال المنطقة وهم يتزينون بأكاليل من الزهور والنباتات العطرية اهتمامه للتعرّف على تاريخ هذه القبيلة وعاداتها، كما فتحت شهية المصورين العالمية على التقاط صور تكشف طقوساً لسكان منطقة لا تتمتع بثرائها الحضاري كالعمراني مثلاً فحسب، بل أيضاً بعطورها والتناغم بين سكانها ومحيطهم.
عاشق السعودية:
البروفيسور “تييري موغر”، باحث إثنوغرافي من أشهر الباحثين الأجانب اللذين تفرّغوا لدراسة منهجية حياة الناس والثقافات المحلية في المملكة، ولديه كتباً مهمة توثّق حياته ودراساته في المنطقة الجنوبية من المملكة العربية السعودية، إذ جمع معلومات من رحلاته العديدة بين قرى ومدن جنوب المملكة منذ مطلع عام 1979 وحتى العام 1991.
أُعجب بالثقافة السعودية الأصيلة، فانتقل للعيش في منطقة عسير، حيث انغمس في دراسة فن العمارة والنقش فيها. غادر عسير عام 1991 لكنه عاد إليها في ثلاث رحلات في أعوام 1994 و1996 و1998 لمواصلة دراساته وأبحاثه حول المنطقة وإرثها التاريخي والحضاري.
وكان قد وثّق تراث المملكة العربية السعودية وحضارتها فوتوغرافياً، بإجمالي حوالي ١٠ آلاف صورة نُشرت في عدة كتب قامت “هيئة الأدب والنشر والترجمة” – تماشياً مع أهداف وزارة الثقافة الرامية إلى إحياء التراث الوطني وحفظه وإبرازه من خلال العناية بالإصدارات العالمية النادرة التي تناولت الثقافة السعودية – بإعادة نشرها.
تشمل الكتب التي أعادت “هيئة الأدب والنشر والترجمة”، بالتعاون مع “دار العبيكان للنشر” ما يلي:
كتاب “بدو الجزيرة العربية” The Bedouins of arabia من اصدار العام 1987:
و”رجال مُزهرون ومنحدرات الجزيرة العربية الخضراء” Flowered Men and Green Slopes of Arabia من اصدار العام 1988
















