/
/
سته على سته – ١١٩ –

سته على سته – ١١٩ –

Picture of خالد حسن الرويس

خالد حسن الرويس

 

من اسطنبول ننقل بعض المشاهد الحسية عن رحلة اسطنبول ، وبعض معالم هذه الناحية ، ونخص في أول المشاهدات المساجد يعوّد انشاءها من قبل بعض الشخصيات المعتبرة ، وبعض رموز اجتماعية حسية ومعنوية . زمنية وروحية . ننقل للقارئ الغالي هذه المشاهدات من قلب اسطنبول ومرتفعات تلالها . فوق قممها أشيد مساجد بأسماء شخصيات منشئها ، وحول هذه المساجد ساحات ، وميادين عامة ، ومحلات تجارية ، وفنادق وشقق مفروشة . تشهد رواجاً تجارياً ، وزائرين ومتعبدين ومتسوقين ، ولا تخلو من المتسولين والنصابين ، وقوة شرائية منقطع النظير إينما حلت القوة الشرائية حل معها النصابين .

سبق ذكرنا البعض من المساجد فيما سلف من المشاهدات السابقة مقالات أنفة ، وفي هذا المقال نتكلم عن بعض المساجد التاريخية والشهيرة باسطنبول .

جامع السلطان أحمد:

هو السلطان العثماني/ أحمد خان الأول . نجل السلطان محمد الثاني ، وحفيد مراد الثالث بن سليم الثاني بن سليمان القانوني بن سليم الأول بن بايزيد الثاني . المولود في ١٨ أبريل عام ١٥٩٠م في مدينة مانيسا أحد محافظات تركيا الغربية بقصر البلاط السلطاني ، والمتوفي في ٢٢ نوفبر عام ١٦١٧م في قصر طوب قابي باسطنبول، ودفن ضريحه بجامع السلطان/ أحمد الأول . الجامع الذي انشاءه في حال حياته ، وتوفي وعمره ٢٧ عاماً بسبب الحمى التيفوس ، ونزيف معوي .

اعلان

حكم عام ١٦٠٣م بعد والده محمد الثاني ، وعمره ١٣ عاماً حديث السن قليل الخبره . عوضه المولى البصيرة والحكمة وتوقد الذهن ، وتطوير الذات ، ومجالسة العلماء والحكماء وأهل الصلاح . حكم مبكراً ، ولم يمهله القدر . مات في استوائه البدني ، وريان البدن ونظارته ، وقواه العقلية ، وذروة التوهج الذهني ، وفزة العمر وريعانه . ورث دولة منهكة بالخلافات ، والصرعات الداخلية والخارجية، والحروب والتمردات ، تميز أول عهده بكثرة الحروب ، وتزايد التمردات والثورات ، واستطاع بدهائه وحنكته تجفيف منابعها ، واستئصال فتيلها . الجانب الآسوي حروب مع الصفويين ، وفي الوسط الأناضول مع الجلاليين ” مفردها جلالي ” ومع العرب الطوائف العربية المتحورة الدخيلة المرجفة ، والبشوات العجمية . نجح في إنهاء التمردات ، والطوائف العرقية بالحكمة ، وحسن الدراية ، والتصرف السليم الصائب . قوي الشكيمة والحزم ، والعزيمة القوية . أحسن اختيار رجاله في إدارة عرشه داخلياً وخارجياً . يعد

السلطان العثماني ١٤ . كاتب وشاعر ، وأتخذ في نشر شعره اسم مستعار ” بختي ” حسن تصرفه كسبه ود المماليك ، والصلح مع الصفويين والنمسا كسبه فرصة تصفية خصومه من الداخل ، وجعل التفاوض سبيله مع خصومه ، والمناكفة والصلح مع اوروبا لاسيما القيصرية الروسية طريقةً ومنهجاً حينما وثق صلحه معها منحته فرصة أعاد تصفية خصومه جنوب البلاد . أعاد الأمن للوطن ، واستقرار البلاد ، ومنأى ببلاده عن الفتن والصراعات التي لا تجدي . سعى ما وسعه المسعى في بناء الإنسان ، وتنمية المكان ، ومحاسبة ولاته في تقصيرهم في البناء والتنمية بشطريها الإنسان والمكان . رغم صغر سنه ، وريان بنيته ، وربيع عمره . أظهر نبوغاً فريداً عما سواه من قرناه في عصره ، ونظرائه من سلاطين بني عثمان رغم حداثة سنه .

أول من أرسل كسوة الكعبة في عهده من إسطنبول بدلاً من القاهرة . عرف بكراهيته للمجوس والصفويين ، والمتحورة من العرب والعجم ، وكذلك كراهيته للخمر خلاف ما سبقه من سلاطين العثمانين ، وعتدال مصروفاته ، يكثر الخروج لتفقد أحوال الرعية . في عهده ، وارسل عيونه على ولاته ، وأول من سن هذه الوسيلة لنقل أخبار ولاته ، وتصرفاتهم مع الرعية ، ولا يقبل الظلم . أعدم الصدرين العظيمين بسبب ثبوت تلقيهما رشاوي ، واستغلال نفوذهما ، وعزل متصرف اليمن نظير تلقي أموال مقابل اطلاق سجناء بغير حق نظامي ، وابعد متصرف السراة على تصرفاته غير المقبولة بغرس لفيفاً من اليمن والصومال والحبشة والمغرب والهنود من بلاد شتى عجم وبربر وزنوج بمصب ساحل قنونا بتهامة على البحر الأحمر أعده تغير التركيبة الاجتماعية بخلاف نسيجها الاجتماعي ، وكذلك مافعله من تصرف إسناد عصب الاقتصاد وشريانه لهذه الجاليات المستجلبة عما سواهم من أصل المنطقة ، ونقل ميناء تهامة الساحلى من وادي حلى بغير وجه حق لساحل قنونا ، وطمس الهوية المحلية والاجتماعية ، وجلب جاليات متعددة الاعراق والعادات والثقافات من كل النواحي ، ومن حوض البحر الابيض المتوسط مغزاه استيطانهم كمتغير دخيل ، وتهميش الحركة الزراعية والاقتصادية بوادي حلى ويبة وقنونا والأحسبة والبرك والسرين ، وعدم نشر العلم والتعلم ، وتجهيل السكان ، وتفشّي الآمراض والفقر ، وحصر فرص العمل على الجاليات دون ابناء المنطقة وتدريبهم على ممارسة العمل . أعتلى العرش ثلاثة من ابناءه: عثمان الثاني ١٦١٨ – ١٦٢٢م ، ومراد الرابع ١٦٢٣ – ١٦٤٠م ، وإبراهيم ١٦٤٠ – ١٦٤٨م . أوقف قتل الأخوة والأبناء كانت عادة متعارف عليها بين سلاطين بني عثمان أخذاً من الآية ” ان من ازواجكم واولادكم عدواً لكم فاحذروهم ” آية/ ١٤ سورة التغابن وقوله تعالى” انما أموالكم وأولادكم فتنه ” آية/ ٢٨ الانفال وأخذاً من الحكمة التي تقول: ” الحكم عقيم ” وأكثر الأبنآء والاخوة صراعهم على الحكم ، والشواهد التاريخية على ذالك كثيرة ، والقاعدة الفقية ” من أخذ الحكم عنوةً وغلبة وجبة له البيعة والاذعان ” فأوقف قتل الأخوة والأبناء استناداً للنص من الآيات ، والاحاديث النبوية صحاحها وحسانها . ليس من البرّ والأحسان القتل في غير وجه حق المبني على الاحتمال والظن ووفق القاعدة الأصولية الشيء إذا تطرقه احتمال بطل والقتل دون جريرة ظلماً منهياً عنه بالنص بعد استشار مفتي البلاد والعلماء . من بعده توقف السلاطين عن القتل عملاً الأقرب أولى بالمعروف والبر ، وليس أقرب من الأبن والأخ أحداً وعملاً بمبدأ ” الأكبر والأرشد ”

الجامع يقع في ميدان السلطان أحمد على تل وسقية على ظهر عمارية مقابل آيا صوفيا . الجامع يشتهر بعمارته النموذجية . ملفت أنظار الزوار بتصميمه المميز الفريد ، وزخارفه الجميلة ، ونقوشه الخلابة ، نوافذه الزجاجية الملونة بإضائتها الرائعة وزرقتها السماوية ، وأرضية الجامع بالبلاط الأزرق ، وسماوية الزجاج . يعد الجامع معلماً هاماً من معالم العثمانيين عموماً ، وإسطنبول خصوصاً ، ويقدس

هيكله المعماري لحسن جماله ، وهذا الجامع لا حدس يقع على تلة فوق قصر بيزنطي قديم بجوار ميدان سباق الخيل الشهير ، وآيا صوفيا ، ويعد واجهة سياحية ، وعبادة للمسلمين . يقصده السياح من كل مكان كونه يقع بالقرب من مواقع تاريخية بارزة ، والجامع بالامكان رؤيته من مسافة بعيدة . الجامع له صحن واسع ، ويحيطه ساحات ، وبالجهة الغربية دورات مياه فريد نوعها . محاط بسور تتخلله فتحات يمكن رؤية الجامع والساحات من الداخل ، وللجامع ست مآذن رائعة ، ومدخل كبير واسع من الشمال . يحتوي على مقتنيات فنية ثمينة ، وثقافية لها البعد التاريخي . خير ما يميز الجامع قببه الخلابة ، ومآذنه تزين أفق المدينة ، وحسن تشجير ارضيته وساحته ، ومعلم واضح للأعيان من مكان بعيد . بناء الجامع في عام ١٦٠٩م ، والانتهاء من اعماره عام ١٦١٧م . من المؤسف تشاهد خلقاً كثيراً يتمسحون باعمدة ومحراب ومنبر وحيطان الجمع للتبرك لا يمنعهم أحد لا من السلطة المحلية ، ولا من السلطة الدينية ، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مغيب ومعدوم في ظل قيام الجمهورية التركية العلمانية ، وفصل الدين عن الدولة ، والتغاضي عن واجباتها نحو هذه الظاهرة ، وغيرها من المنكرات تراكمت المحاذير الشرعية وفراغ العقيدة . تمخضت عنها هذه الطقوس والممارسات غير الشرعية ، ونحرافها عن المسار الصحيح .

-جامع آيا صوفيا:

الأصل كنيسة تعني الحكمة الإلهية يقع على الضفة الأروبية . انشاء هذّه الكنيسة في العصر البيزنطي كاتدرائية للبطريركية المسحية الأرثوذكسيّة . تأسست على يد قسطانطيوس الثاني عام ٥٣٢م ثم تحولت كاثوليكية مبنى للعبادة ثم حول كاتدرائية رومانية كاثوليكية .

بعد فتح القسطنطينية على يد السلطان العثماني/ محمد الفاتح عام ١٤٥٣م تحولت مسجداً ، وفي عهد الجمهورية التركية العلمانية تحول المسجد لمتحف عام ١٩٣٥م ، وفي عهد الحكومة الانتقائية الاخونجية أعلن إعادته مسجداً بتاريخ ٢٤ يوليو عام ٢٠٢٠م .

-جامع أورتاكوي:

جامع فريد في شكله ومظهره الخارجي يقع في ساحة رصيف أورتاكوي على جانب ماء مضيق البوسفور . يعرف بالجامع الكبير الشريف آيا صوفيا . ينعت بمسجد المجيدية الكبير نسبة لسلطان العثماني/ عبدالمجيد الأول بين عامي ١٨٥٤ – ١٨٥٦م . صمم من قبل معماريين محترفين في غاية الاحتراف ، واكتسب الأسم من حي أورتاكوي باسطنبول بجوار البوسفور ، وله إطلالة رائعة وخلابة على جسر الشهداء. ينعت الجامع بالجوهرة المخفية لا يعرفه الكثير .

الجامع يعدّ أحد المنشآت التاريخية يزين منطقة مضيق البوسفور جمالاً ، ومعروف بجامع بيوك أو مجيدية . تحفة بديعة على ضفاف البوسفور . تحليه قبة كبيرة تغطي المصلى ، ويغلب زينتها زخارف جميلة من الداخل مرصعة باللون السماوي ، وخطوط عريضة . يتميز الجامع بنقوش إسلامية . تزيّنه اوراق نباتية ، ونافورة كبيرة مطلية باللون الذهبي تحت شرفات مئذنتيه، ولوحات بالخط العربي تشمل لفظ الجلالة ، والنبي محمد – صلى الله عليه وسلم – وأسماء الخلفاء الراشدين ، والشهادتين فوق المنبر ، وتتميز هذه اللوحات بخط يد السلطان/ عبدالمجيد .

العدد القادم نكمل مشاهداتنا عن هذه الرحلة .

دام عزك ياوطن ، ودام عز سلمانه سلمان الحزم خادم الحرمين الشريفين . ضرغام العرب . أسد الإسلام . حامي بيضة الدين ، والمشاعر المقدسة ، وولي عهده الأمين محمد العزم مهندس رؤية الوطن بثلاثيتها ” مجتمع حيوي ، واقتصاد مزهر ، وهمة للقمة نحو العالم الاول . مجفف منابع الارهاب ، ومصادر الفساد ، ومسارب الإرجاف دام عزه ، ودام عز القيادة الرشيدة ورموزها ، ووفق الله ابطال الحد الجنوبي وسدد رميهم ، ودلهم للتوفيق وجعلهم للتوفيق دليلاً .

بقلم/ خالد حسن الرويس

شاركها

تعليق واحد

  1. مقال مميز ومعلومات موثقة
    شكراً يابو حسن على المعلومات التاريخية العثمانية والتعريف بالمساجد والمتاحف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى