/
/
وما زال للهياط بقيّه

وما زال للهياط بقيّه

Picture of بقلم - فهد الحربي

بقلم - فهد الحربي

لم تعد ظاهرة “الهياط” – المتمثلة في المبالغة في التفاخر والإسراف والمظاهر الزائفة – مجرد سلوك فردي عابر، بل تحولت إلى ظاهرة اجتماعية تتكرر في مناسبات مختلفة، من حفلات إلى مقاطع مرئية تنتشر في وسائل التواصل الاجتماعي. ظاهرة تستفز الوعي الجمعي، وتثير التساؤل: إلى أين يمكن أن يقودنا هذا التباهي الفارغ؟
الهياط، بكل أشكاله، ليس سوى انعكاس لغياب الوعي عند بعض الأفراد، ومحاولة لكسب الأضواء على حساب القيم الأصيلة. فالمجتمع الذي يفترض أن يعتز بتواضعه واعتداله، يجد نفسه أحيانًا أمام مشاهد من الإسراف غير المبرر، وكأنها تحدٍ صارخ للعقل والمنطق، بل ولتعاليم الدين الحنيف التي تدعو إلى الوسطية والاعتدال.
وإذا كان الهياط يُعرف بالإسراف والتفاخر في المظاهر، فإنه اليوم يأخذ شكلاً آخر لا يقل خطورة، وهو زيف بعض المشاعر التي تُعرض في منصات التواصل، حيث نجد من يبالغ في تصوير مواقف إنسانية أو مفتعلة، يكسوها الادعاء والتصنع، ليجعلها مجرد وسيلة لجذب المتابعين وحصد المشاهدات. مشاعر منزوعة الصدق، هدفها إثارة الضجيج الإعلامي، لا خدمة الحقيقة ولا تعزيز القيم. وهذا بحد ذاته نوع من الهياط العاطفي الذي يسلب المواقف معناها الأصيل.
لكن الجميل أن المجتمع الواعي لم يقف متفرجًا. فقد بدأت الأصوات العاقلة تتعالى رفضًا لهذه الممارسات، وأخذت وسائل الإعلام تسلط الضوء على أضرارها، فيما بات رواد منصات التواصل يردون عليها بالسخرية أو النقد البنّاء، لإظهار زيفها وعدم جدواها. هذا الوعي المتنامي، يعد خط الدفاع الأول في التصدي لهذه الظاهرة التي لا تخدم الفرد ولا المجتمع.
التصدي للهياط لا يكون فقط بالنقد، بل بالقدوة الحسنة، وبإبراز النماذج الإيجابية التي تحتفي بالقيم الحقيقية، لا بالمظاهر. كما أن دور الأسرة والمدرسة والإعلام بالغ الأهمية في غرس ثقافة التوازن والعقلانية، حتى ينشأ جيل يعرف أن قيمة الإنسان ليست فيما يُظهره، بل فيما يُنجزه ويتركه من أثر.
الهياط، وإن بدا للبعض مادة للضحك أو التسلية، إلا أن خطورته تكمن في تطبيع المجتمع مع فكرة الإسراف والتفاخر، أو مع التسويق الزائف للمشاعر. لكن الوعي المجتمعي كفيل بإطفاء هذه الشرارة، كلما حاولت أن تتمدد. فالمسؤولية مشتركة، والمعركة ضد الهياط معركة قيم قبل أن تكون مواجهة سلوك.
وما زال للهياط بقيّة… لكن الأمل أن يكون الوعي حاضرًا دومًا، ليكتب النهاية لهذا المشهد المزعج.

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى