“شربٍ على غير ظما يجرّح الكبد، وحبٍ على غير المودة خسارة” — بهذا البيت العميق، قال الشاعر راشد الخلاوي ما قد لا يقوله أطباء النفس اليوم إلا عبر تقارير ودراسات. بيت عابر في شكله، لكنه راسخ في معناه، يحمل من الوعي ما يوازي نظريات كاملة في العاطفة والتوازن الداخلي.
حين سمعت هذا البيت للمرة الأولى، لم أحتَج وقتًا لحفظه حفظه قلبي قبل أن تحفظه ذاكرتي. لأن فيه من الصدق ما لا يُنسى، ومن الحكمة ما يُرافقك في كل خطوة. الشطر الأول فيه صورة حسّية قوية: أن تسقي جسدك بما لا يحتاجه، فتؤذيه. أما الشطر الثاني، فيسقط هذا المعنى على المشاعر: أن تُعطي حبًا لا يستحقه أحد، فتؤذي نفسك.
كأن راشد، بلغة بدوية أصيلة، يعلّمنا درسًا نفسيًا عميقًا: لا تمنح ذاتك لمن لا يقدّرها، ولا تستهلك روحك في علاقات فارغة أو مجاملات مستنزفة.
الصحة النفسية لا تعني فقط الراحة من القلق أو التوتر، بل تعني أيضًا أن يكون لك حدودك الواضحة، أن تعرف متى تقول “لا”، ومتى تسحب طاقتك من مكان لا يُنبت لك أثرًا ، و هذا البيت هو دعوة صادقة لإعادة النظر في الطريقة التي نتعامل بها مع مشاعرنا، ومع الناس.
و منه يكون الشعر تجربة إنسانية تستحق الخوض والبحث، فهو علم يختصر الكثير من النظريات الفلسفية ، فبيت واحد قد يوقظ وعيا ً كاملاً يغنينا عن صفحات ورسائل طويلة في الصحة النفسية .














