لم يكن غريباً أن تهتز أركان المشروع الإيراني في السنوات الأخيرة تحت وطأة الضربات الأميركية والإسرائيلية، وانكسار الأذرع في العراق ولبنان وسوريا واليمن، ومقتل شخصيات بارزة في الصفين العسكري والنووي. لكن الغريب أن تتأخر المراجعة الداخلية حتى اللحظة، رغم أن علامات التململ الشعبي بدت واضحة منذ احتجاجات 2009 وصولاً إلى انتفاضة 2022 إثر مقتل الشابة مهسا أميني.
اليوم، وبعد أربعة عقود من “تصدير الثورة” والرهان على مشروع نووي مثير للجدل، ارتفعت أصوات إصلاحية من قلب النظام ومن رموزه السابقة، تحمل نقدًا جذريًا، لا لمظاهر الفساد أو سوء الإدارة وحسب، بل لركيزتين استراتيجيتين شكّلتا عماد السياسة الإيرانية: البرنامج النووي والأذرع العسكرية الخارجية.
⸻
أولاً: مير حسين موسوي… كسر الصمت واتهام الحرس
مير حسين موسوي، المرشح الإصلاحي في انتخابات 2009 وأحد وجوه “الحركة الخضراء”، يعيش منذ 2011 تحت الإقامة الجبرية. ورغم العزلة، خرج قبل أسابيع بخطاب صادم حين حمّل “الحرس الثوري” مباشرة مسؤولية إضعاف الدولة وهدر مقدراتها، قائلاً إن المؤسسة التي يفترض أن تحمي البلاد تحولت إلى عبء يستنزفها باسم مواجهة “الأعداء”.
هذا التصريح لم يكن عادياً، فموسوي لم يكتف بانتقاد الفساد كما درج الإصلاحيون من قبل، بل وجّه اتهاماً مباشراً للمؤسسة الأكثر نفوذاً في النظام. الرسالة كانت واضحة: لا إصلاح من دون تقليم أظافر الحرس الذي أصبح دولة داخل الدولة.
⸻
ثانياً: مهدي كروبي… التشكيك في “قدسية” النووي
أكثر التصريحات جرأة جاءت من مهدي كروبي، المرشح الآخر في انتخابات 2009، الذي وجّه سهام نقده للبرنامج النووي نفسه. كروبي اعتبر أن المشروع، الذي روّج له النظام باعتباره وسيلة للهيبة والقوة، لم يحقق سوى “إيصال البلاد إلى القاع”.
وقال كروبي في خطاب علني:
“ماذا بعد الإنفاق الهائل والادعاءات الضخمة؟ لم نحصد إلا ضياع الاتجاه وشماتة الأعداء. فما الحاجة للنووي الآن؟ بل ما الحاجة للتخصيب بعد دمار المشروع؟”
هذا الموقف يشكّل سابقة؛ إذ لم يسبق أن تجرأ سياسي إيراني بارز على الدعوة لوقف المشروع من جذوره. ورغم أنه عاد لاحقاً ليقترح “التخلي الطوعي عن التخصيب لتفادي مزيد من الهجمات”، فإن كلماته كسرت أحد “المحرّمات السياسية” في إيران.
⸻
ثالثاً: روحاني… الميليشيات عبء لا مكسب
حسن روحاني، رئيس الجمهورية السابق، لم يكن أقل جرأة. إذ هاجم بوضوح استراتيجية “توسيع النفوذ عبر الأذرع المسلحة”، معتبراً أنها ألحقت بسمعة إيران أضراراً فادحة، وأهدرت موارد ضخمة كان يمكن أن تُصرف على الداخل الإيراني، كما كرّهت الشعوب العربية – بمن فيهم الشيعة – بإيران.
لكن الرد جاء سريعاً من علي أكبر ولايتي، المستشار الأقدم للمرشد علي خامنئي، الذي قال:
“لولا الحشد الشعبي لابتلعت أميركا العراق”.
رد يعكس ثبات المؤسسة الحاكمة على منطق “الميليشيات كأداة ردع”، رغم أن الوقائع على الأرض تظهر العكس؛ إذ تحولت هذه الأذرع إلى عبء استراتيجي يستنزف إيران ويفاقم عزلتها.
⸻
رابعاً: جبهة الإصلاحات… برنامج بديل للنظام
إلى جانب تصريحات موسوي وكروبي وروحاني، ظهر تيار أوسع تحت اسم “جبهة الإصلاحات”، وقدّم برنامجاً سياسياً واقتصادياً يُعد الأكثر شمولاً منذ عقود، يتضمن:
• وقف التخصيب النووي طوعاً لطمأنة المجتمع الدولي.
• إقامة علاقات حميمة مع دول الجوار العربي، وتجاوز سياسة العداء التقليدي.
• المشاركة في مشروع حل الدولتين في فلسطين كمدخل لتصحيح صورة إيران إقليمياً.
• إقرار عفو عام داخلي يشمل المعتقلين السياسيين والمعارضين.
• تغيير السياسات الاقتصادية باتجاه إصلاحات عميقة تعيد الثقة للمجتمع.
هذه البنود تضرب في العمق الركائز التي اعتمدها النظام الإيراني منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979.
⸻
خامساً: استراتيجية الأربعين عاماً… بين النووي والميليشيات
منذ أربعة عقود، اعتمدت طهران على عمودين أساسيين في سياستها الخارجية والداخلية:
1. الميليشيات المسلحة في الدول العربية، وخاصة في الدول ذات الأقليات الشيعية، إضافة إلى تحالفها مع “حماس”.
2. البرنامج النووي الذي اعتُبر رمزاً للهيبة والمكانة الاستراتيجية.
المرشد السابق للشؤون الدولية محمد علي التسخيري صرّح عام 2004 قائلاً:
“من قال إن النووي لمواجهة العدو الخارجي؟ إنه متعدد الأغراض، منها الهيبة والموقع والدور”.
لكن هذه الركائز تواجه اليوم تآكلاً واضحاً: الميليشيات فقدت الكثير من فعاليتها بعد أن تحولت إلى عبء على المجتمعات المحلية، والمشروع النووي بات هدفاً مباشراً للضربات وللعقوبات التي أنهكت الاقتصاد الإيراني.
⸻
سادساً: المأزق البنيوي للنظام
النقد الداخلي الذي يوجهه موسوي وكروبي وروحاني وجبهة الإصلاحات لا يأتي من شخصيات هامشية، بل من رموز سياسية كانت في قلب النظام لعقود. هذا يعني أن “الإجماع الداخلي” الذي استندت إليه القيادة الإيرانية يتصدع تدريجياً.
لكن السؤال الأهم: هل يملك النظام الإيراني القدرة على التغيير؟
حتى الآن، المؤشرات تقول العكس. فالقيادة الإيرانية تظهر تمسكاً صارماً بالخيارات التي سارت عليها منذ التسعينيات، وكأنها عاجزة عن تخيل بدائل أقل تكلفة وأكثر عقلانية.
إعلامي إيراني بارز علّق على تصريحات كروبي وروحاني قائلاً:
“هذه في نظر أهل النظام وصفة للتصدع والهدم، تماماً كما حدث مع النظام الأسدي: إما البقاء على علّاته أو الانهدام، وهو على أي حال لن ينهدم من الخارج”.
⸻
سابعاً: قراءة في المستقبل
السيناريوهات المحتملة أمام إيران اليوم يمكن اختصارها في ثلاثة مسارات:
1. الإصلاح من الداخل: أي أن يستجيب النظام تدريجياً لمطالب الإصلاحيين، فيعيد النظر بالنووي والأذرع الخارجية. هذا الخيار يبدو الأجدى لكنه يتطلب شجاعة سياسية غائبة حتى الآن.
2. الجمود والمراوحة: وهو المسار الأكثر ترجيحاً، حيث يواصل النظام سياساته رغم التكلفة الباهظة، ما يعني “تآكلاً بطيئاً” قد يقود إلى انفجارات داخلية مستقبلية.
3. الانهيار التدريجي: على غرار ما حدث في الاتحاد السوفياتي، حين تراكمت الأزمات حتى لم يعد ممكناً ضبطها.
⸻
الخاتمة: بين مراجعة ضرورية ومصير محتوم
أربعة عقود من “الهيبة النووية” و”النفوذ الميليشياوي” لم تمنح إيران استقراراً ولا رخاءً. بل على العكس، أنتجت عزلة دولية، وأزمات اقتصادية، ونقمة داخلية متصاعدة. الجديد اليوم أن أصواتاً من داخل النظام نفسه بدأت تكسر المحرّمات، وتطرح أسئلة وجودية: ما الحاجة للنووي بعد كل هذا الخراب؟ وما جدوى الأذرع المسلحة إذا كانت تُكسب إيران عداوات بدل النفوذ؟
إيران تقف عند مفترق طرق تاريخي: إما أن تُراجع مشروعها بجرأة وتعيد صياغة دورها الإقليمي والدولي، أو أن تواصل التمسك بأعمدة تتصدع ببطء، حتى تسقط من تلقاء نفسها.














