/
/
عدن : الحكومة والبنك المركزي يكسران اقتصاد الظل ويستعيدان القرار النقدي

عدن : الحكومة والبنك المركزي يكسران اقتصاد الظل ويستعيدان القرار النقدي

Picture of عدن - أرسلان السليماني

عدن - أرسلان السليماني

 

بدأت العاصمة المؤقتة عدن هذا الأسبوع مرحلة جديدة من العمل المؤسسي المنظم، مع إطلاق الحكومة اليمنية والبنك المركزي سلسلة من الإجراءات المالية والرقابية غير المسبوقة، تهدف إلى كسر نفوذ اقتصاد الظل، وتفكيك أدوات المضاربة بالعملة الصعبة، واستعادة السيادة المالية للدولة.

التحركات جاءت بتنسيق مباشر بين الحكومة اليمنية برئاسة الدكتور سالم صالح بن بريك وقيادة البنك المركزي في عدن، ضمن ما يُعرف بخطة “الـ100 يوم”، وهي خارطة طريق إصلاحية تُنفذ على الأرض بهدف معالجة جذور الانهيار الاقتصادي وتصفية التشوهات المتراكمة في النظام المالي.

منظومة إصلاح جذرية: خطة الـ100 يوم تدخل حيز التنفيذ

 

اعلان

تُعد خطة “الـ100 يوم” الحكومية نقلة نوعية في العمل التنفيذي، إذ تهدف إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة المالية وفق قواعد الشفافية والمحاسبة. وتشمل الخطة حزمة من الإصلاحات العاجلة، أبرزها:

 

إعادة هيكلة النظام المالي العام وضبط آلية تحصيل الإيرادات.

 

ربط كافة الموارد بالحساب الحكومي الموحد في البنك المركزي.

 

توحيد السياسات النقدية والمالية وتفعيل أدوات الرقابة والمساءلة.

 

تنظيم عمليات الاستيراد والتصدير من خلال قنوات مصرفية قانونية.

 

مكافحة الفساد المالي وتفكيك شبكات الجباية غير القانونية.

 

 

الخطوة تعكس تحولًا في فلسفة إدارة الدولة، من نهج التكيّف مع اقتصاد الحرب إلى نهج فرض القانون وسيادة المؤسسة الرسمية على المال العام.

مركزي العاصمة عدن: تطهير شامل للقطاع المصرفي غير المنظم

على الأرض، نفّذ البنك المركزي اليمني في عدن حملة تطهير واسعة للقطاع المصرفي الموازي، من خلال إجراءات شاملة شملت:

إغلاق وسحب تراخيص شركات صرافة ثبت تورطها في المضاربة وتهريب العملة.

وقف أي نشاط تحويل مالي لا يخضع لأنظمة البنك المركزي.

فرض رقابة إلكترونية فورية على تعاملات البنوك وشركات الحوالات.

إعادة تنظيم سوق الصرف وربطه بسياسات البنك المركزية لإعادة الاستقرار النقدي.

الحملة لا تستهدف الصرافة كقطاع شرعي، بل الكيانات التي تحوّلت إلى أدوات لنهب العملة الأجنبية، وتمويل مصالح ضيقة خارج إطار الدولة.

تنظيم التجارة الخارجية: الاستيراد تحت الرقابة المصرفية

ضمن إطار ضبط التعاملات الخارجية، أقرت السلطات النقدية في عدن آلية صارمة تنظم عمليات الاستيراد والتصدير، لضمان منع تهريب العملة وحصر التعاملات في إطار البنوك الرسمية. وتتضمن الإجراءات:

إلزام التجار بالاعتمادات المستندية عبر البنوك المرخصة.

حظر تمويل الواردات عبر شركات الصرافة بشكل كامل.

التنسيق مع الجهات الجمركية لمنع الإفراج عن شحنات تجارية لم تمر بالإطار البنكي.

تتبع مالي دقيق لعمليات الدفع والتحويل الخارجي.

تهدف هذه الإجراءات إلى كبح اقتصاد الاستيراد غير المشروع، وحماية احتياطيات النقد الأجنبي من التهريب والاستنزاف.

استعادة الإيرادات العامة: لا موارد خارج سلطة البنك المركزي

في خطوة محورية، فرضت الحكومة والبنك المركزي في عدن إجراءات لإغلاق كل قنوات الإيرادات غير الرسمية، من خلال:

توحيد الحسابات الحكومية في الحساب الموحد بالبنك المركزي.

منع فتح أو استخدام حسابات بنكية لأي جهة حكومية خارج العاصمة عدن.

إخضاع الموارد العامة لرقابة مركزية فورية عبر منصة رقمية متطورة.

تطبيق مبدأ الشفافية المالية في كل عمليات التحصيل والصرف.

هذه الخطوة تمثل قطعًا نهائيًا مع نظام الجباية الفوضوي، الذي حوّل بعض المؤسسات الحكومية إلى مصادر تمويل شخصي أو مناطقي خارج سلطة الدولة.

انعكاسات فورية: تعافي سعر الصرف والأسواق تهدأ

النتائج الأولية للإجراءات المشتركة بين الحكومة والبنك المركزي ظهرت سريعًا على السوق:

تحسن ملحوظ في سعر صرف الريال اليمني، حيث انخفض الدولار من 1710 ريال إلى 1575 ريال خلال أيام.

تراجع كبير في نشاط السوق السوداء والمضاربة بالعملة.

استقرار نسبي في أسعار السلع المستوردة.

زيادة التعاملات عبر القنوات الرسمية بعد ضبط السوق.

هذا التحسن لا يُقرأ فقط كمؤشر اقتصادي، بل يُعد انتصارًا سياسيًا للدولة في معركتها مع اقتصاد الظل، وتأكيدًا على قدرة المؤسسات الرسمية على استعادة زمام المبادرة.

رسالة سياسية واضحة: عودة الدولة من بوابة المال العام

الإجراءات المنفذة في عدن تتجاوز البعد المالي، وتحمل دلالة سياسية عميقة مفادها أن الدولة اليمنية بدأت تُعيد بناء مؤسساتها من المركز المالي، وتُحرر القرار الاقتصادي من قبضة المصالح الخاصة والنفوذ غير الرسمي.

أهم ما تؤشر عليه هذه الخطوة:

تحول في توازن القوى داخل مؤسسات الدولة لصالح النظام والقانون.

إنهاء تغوّل القوى الموازية على القرار النقدي والمؤسسي.

إعادة الثقة الإقليمية والدولية بالمؤسسات المالية اليمنية.

تهيئة البيئة لعودة الاستثمار والدعم الدولي المشروط بالإصلاحات.

العاصمة عدن ترسم ملامح جمهورية اقتصادية جديدة

ما يجري اليوم في العاصمة عدن ليس مجرد إجراءات مالية طارئة، بل مرحلة تأسيسية لجمهورية اقتصادية جديدة، يُعاد فيها الاعتبار لمفاهيم السيادة المالية، والمسؤولية المؤسسية، والشفافية في إدارة المال العام.

نجاح هذه الإجراءات، واستدامة نتائجها، يعتمد بشكل أساسي على استمرار التنسيق بين الحكومة والبنك المركزي، وانضباط بقية مؤسسات الدولة خلف سلطة القرار المركزي، بعيدًا عن الانقسامات والنفوذ الفوضوي.

 

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى