تُعدّ الملكة ومراسم عقد القران مناسبةً اجتماعية ذات رمزية خاصة في سعوديتنا وبلادنا الغالية. ومع تطور المعايير الاجتماعية، تحوّلت هذه المناسبة من جلسة بسيطة إلى مناسبة اقتصادية بحتة قد تصل تكلفة تنظيمها إلى عدة عشرات الآلاف من الريالات، مما يثقل كاهل الشباب في بداية حياتهم الزوجية بما لم ينزل به الله سلطانًا على أحد.
وبحسب بعض المواقع، يُقدَّر متوسط تكلفة الملكة وحدها بحوالي 35 ألف ريال سعودي، إلى جانب بعض الهدايا التي تبدأ من نحو 5 آلاف ريال على أقل تقدير، وتصل أحيانًا إلى 15 ألف ريال. وهناك تقديرات حديثة تشير إلى إجمالي تكاليف الزواج، بما في ذلك المهر والولائم، تتراوح بين 150 و200 ألف ريال للشباب. وفي واقعة معروفة لدى أحدهم، بلغ الإنفاق على “الملكة” أكثر من 20 ألف ريال، وشهر العسل وحده 30 ألف ريال، بما مجموعه تجاوز 240 ألف ريال.
في السابق، كان يكتفى بعقد القران في منزل أو مجلس بسيط بحضور العائلة مع ضيافة متواضعة فيها الألفة والود والمحبة. أما اليوم، فتتحول الملكة إلى مناسبة تُشبه حفل زفاف، من استئجار قاعات واستراحات وكوشات وتصوير فوتوغرافي وفيديوهات، وهدايا مادية توزع هنا وهناك، ومصاريف إضافية من فرق استقبال وشيلات ومصورين من أهل السنابات. وكل هذه التفاصيل ترفع التكاليف إلى سقوف مرتفعة ضاغطة على ميزانية العريس، بعكس رغبة الأولين بتبسيط التكاليف وتهوين ذلك على العائلتين.
نعم، هناك ضغوط اجتماعية وأسرية كثيرة ينظرون إليها للأسف، وهذا ما أضاعنا كمجتمع وعائلات. إنه من الضروري مسايرة التوقعات المجتمعية حتى ولو كانت فوق طاقتهم، مما يضطر البعض منهم لطلب قروض بنكية أو استدانة للقيام بكل تلك الأعباء. فلذلك، من أسباب عزوف الكثير من الشباب عن الزواج هو ارتفاع التكاليف، مما جعل بعض الشباب يؤجلون الزواج، والبعض الآخر من باب الدردشة، وربما هي الحقيقة التي تدور في خُلده، ولربما سنراها يومًا ما. وقد يكون مكره أخاك لا بطل، وهي الزواج من أجنبية، لقلة التكاليف وسهولة الزواج.
من هذا المنبر أدعو وأستعين بمشايخ القبائل وعقلائهم وكبرائهم ومفكريهم لعمل اتفاق بلوائح معينة وإعادة النظر في المعايير التقليدية في الاحتفال والانتقال لمفهوم التيسير دون إفراط أو تفريط في أهمية الفرح والسرور والتعبير عنها بأقل التكاليف لحياة أفضل وأجمل، والتركيز على حملات التوعية والتثقيف للجنسين بأهمية التيسير وأن يقتصر على الأقرب مما يقلل من الهدر والعبث بالمال في غير أهمية، والتخفيف من المهور والهدايا بأشياء رمزية على الأقل في مناسبة الملكة، والتخفيف أيضاً في الزواج بأعداد بسيطة جداً لتقليل التكاليف المرهقة وللاستمتاع بهذه المناسبة دون إرهاق معنوي أو مالي، ومحاولة التشجيع على تنظيم الزواج الجماعي وأخذ الخبرة من الجمعيات ذات الصلة، وطلب التعاون من الآباء والأمهات في تخفيف كل تلك الأعباء، فإن تحويل الملكة إلى مناسبة مختصرة وبسيطة للاحتفاء يمكن أن يكون خيارًا مستدامًا وجميلًا يخفف عن كاهل الشباب ويعينهم على بناء أسرة وبيت دون بداية مرهقة، وليس البحث عن لفت أنظار الآخرين وماذا سيقولون، إن القيم الحقيقية لا تقاس بقيمة القصور ولا بتكلفة الوليمة ولا بعدد الحضور بل بصدق النوايا وبركة البدايات. فالتيسير ليس مظهراً للضعف أو عدم الاستطاعة بل قرار حكيم يعكس تقديراً للغرض الحقيقي من الزواج، فالعقلاء دائماً يبحثون عن البساطة والأريحية، والأهم هو النجاح والاستقرار والبناء لحياة سعيدة ومستقرة.
بقلم: عائض الغامدي.














