في قلب اليمن، هناك محافظة تُركت لتواجه مصيرها وحيدة، تُنتهك فيها الكرامة كما يُهدر فيها الصوت، وتُطارد فيها النخب كما تُغتال فيها المعرفة. إنها إب، المحافظة التي ما عادت تتصدر العناوين، رغم أن مأساتها تفوق حدود اللغة والاحتمال.
فعلى امتداد الأشهر الماضية، تسارعت حملات الاعتقال والاختطاف بحق خيرة أبناء هذه المدينة: معلمون، أطباء، أكاديميون، خطباء، طلاب علم، حفظة قرآن، ومثقفون. وجوه كانت تضيء ساحات الوعي، صار يُسحب بها إلى غياهب المعتقلات، بلا تهم، بلا سبب بلا أدنى معايير العدالة.
وبلاشك ان الخرس الإعلامي لا يعني الغياب، بل يعني العجز
فثمة من يكتب، من يوثق، من يحاول رفع الصوت، وهناك منابر ما تزال تطرق جدران الصمت وتُدوّن النبض، لكنها محاولات متقطعة، لا ترتقي إلى مستوى الفاجعة. فحين تكون الكارثة إنسانية بهذا العمق، وحين تكون الجريمة منهجية بهذا الوضوح، يصبح الاكتفاء بالتقارير المقتضبة والنشرات العابرة نوعًا من التواطؤ غير المقصود، أو على الأقل صورة أخرى من العجز في إيصال الحقيقة إلى العالم كما يجب.
فالصوت الإعلامي، وإن حضر، لم يكن بالحجم الذي يُحدث فرقًا. لم يتجاوز بعد حاجز الانفعال العابر إلى ميدان الضغط المؤسسي، والتحشيد الواعي، والاستثمار الإعلامي طويل النفس. كان الأمل أن يكون الصوت أوسع، والرؤية أعمق، والرسالة أجرأ.
ما يجري في إب ليس مجرد حملة اعتقالات، بل محاولة ممنهجة لإفراغ المدينة من نخبتها، من مدرسيها وأطبائها وكتّابها ومفكريها لم تكتف الجماعة المسيطرة بتكميم الأفواه، بل اتجهت لتأميم العقول، واستبدال التنوير بالخرافة، والتعليم بالدعاية، والوعي بالخوف.
في صمت مدوٍ، تُقتاد شخصيات وطنية من بيوتها أمام أطفالها، تُداهم المدارس وتُفتش المنازل، تُصادر الكتب كما تُصادر الهواتف، ويُعامل حُفّاظ القرآن كما يُعامل الخارجون عن القانون
المجتمع الدولي، هو الآخر، لم يتجاوز البيانات الخشبية والمواقف المتأخرة. لا زيارات ميدانية، لا لجان تقصٍ فاعلة، لا تحقيقات أممية مستقلة، لا وجود حقيقي لمن يرفع صوت هؤلاء المختطفين إلى المحافل الدولية. الكارثة صامتة، والعالم أصمّ، والضحايا في دائرة النسيان.
أما المنظمات الحقوقية، المحلية منها والدولية، فكأنما أُشغلت أو شُغّلت عن فصول الانتهاكات المتواصلة في هذه المحافظة المنكوبة.
بينما الحقيقة تقول
لقد تحولت إب إلى مختبر واسع لتجريب أدوات القمع، وساحة لتطبيق “هندسة الخوف الجماعي”. ولم تجد من يكسر هذا الحصار المفروض عليها إعلاميًا وحقوقيًا، بل اكتفى الكثيرون بالمراقبة، أو بالصمت، أو بـ”تغطية خجولة” لا تمس عمق القضية ولا تزعج الجلاد.
والحقيقة التي لا ينبغي الهروب منها، أن بعض الجهات التي يُفترض بها أن تكون في مقدمة الصفوف لفضح هذه الجرائم سواء كانت إعلامية أو حقوقية لم تبذل ما يكفي، ولم تتحرك بالزخم المطلوب. ليس لأن النية غائبة بالضرورة، ولكن لأن الإرادة المؤسسية والجرأة والقدرة على التصعيد والتأثير ما زالت محدودة.
إب لا تسأل اليوم عن مَن يعتقل أبناءها، فهي تعرفهم جيدًا… بل تسأل: أين من يُدافع عنهم؟ من يكتب عنهم؟ من يقتحم الصمت ليحمل أوجاعهم إلى الشاشات والمنصات والضمائر؟
وحين يكون الصوت خافتًا، يُصبح الظلم مطمئنًا. وحين يكون التفاعل رمزيًا، يستقر الجلاد في موقعه أكثر. وحين لا تجد إب مَن يترافع عن كرامتها، تُمحى من الخارطة السياسية والإنسانية.
إب اليوم لا تحتاج إلى شفَقة، بل إلى موقف. لا تطلب كلمات، بل فعلًا إعلاميًا وحقوقيًا حقيقيًاً. لا ترفع صوتها وانينها من أجل العويل، بل من أجل الحياة.
حين يصبح الصمت شريكًا في الجريمة: إب تختنق في ظل عجز الصوت الإعلامي والحقوقي
بقلم _ صلاح الطاهري
أضواء الوطن
- 01/08/2025
- 31048
شاركها
-
وفاة والدة اللواء طلال المقاطيمنذ 5 ساعات
-
عبدالله الحضبي
انت دائماً متميز يا بو حمود بيض الله وجهك على الكلمة الوطنية...
-
سعودي وأفتخر
ما شاء الله الله يوفقه نموذج يحتذى به لقوة الإرادة....
-
فيصل الغامدي
امتناني وتقديري....
-
عبدالهادي الصويان
المدير الناجح هو الذي ينجح في تحقيق الأهداف، وينجح في التواص...
-
فاطمة المفرح
دامت حروفك سراجاً ينير طريق الكلمة الطيبة . فقد نظمت من الشع...
أخبار المجتمع
-
“السعودية” مجدٌ على الأرض وطموحٌ في السماءمنذ أسبوع واحد














