/
/
“لكل مرض أسراره”

“لكل مرض أسراره”

Picture of عائض الشعلاني

عائض الشعلاني

يبدو المرض وتلك الأمراض المتعبة للبعيدين عنها مجرد عارض صحي أو حالة تحتاج دواء وزيارة طبيب، ثم لا شيء غير ذلك. لكن الواقع المرير الذي لا يدركه إلا من عاش التجربة، فلذلك لكل مرض أسراره وآلامه الخاصة وهمّه اليومي الذي لا يُرى في التقارير الطبية ولا يُحكى في المجالس ولا حتى للأصدقاء.

كل مريض يعيش صراعاته مع المرض بنفسه وبطريقته الخاصة، ومن واقع الحياة وآلامها أن هناك أمراضًا تمس كرامة الإنسان ومعيشته اليومية بشكل لا يمكن تجاهله أو تخفيفه بكلمات المواساة “وماتشوف شر”. خذ مثالاً لمرضى الباطنية المزمنة هذا الذي يخاف من اللقمة ويحسب حساب الرشفة، يعيش بين ألم الجوع وخوف التبعات بعد ذلك، لا يعرف طعم ومتعة الأكل ولا طمأنينة الشرب ولذته. كل وجبة بالنسبة له مغامرة غير محسوبة تنتهي غالبًا بالغثيان أو الألم أو انقباضات البطن التي لا ترحم، وإن سألوه “ليش نحفان” فيبتسم مجبرًا ويخفي وراء هذه الابتسامة تعبًا لا يُروى للجميع.

أما مريض الركب والمفاصل والروماتيزم ومرضى الباركنسون، فهو لا يشتكي من ألم فقط، بل من فقدان الاستقلال. أن تقوم لتصلي أو تنزل أو تصعد درجًا أو تخرج بسيارتك، كلها مهام في أعين الأصحاء بسيطة، لكنها كجبال تِهامة من التحدي. لهذا المريض يشعر أنه يعيش في جسد يعانده في كل حركة، يقابلها الألم، وكل وقفة تعتصر من طاقته المنهكة.

أما من ابتُلِي بإصابة في الظهر أو أصبح عاجزًا بسبب شلل رباعي أو نصفي، فذلك يعيش في اختبار أعظم من الألم وحده، بل سيعتمد على الغير في أدق تفاصيل الحياة. وهذه معاناة بحد ذاتها، أن تحتاج من يقلبك في السرير، من يلبسك، من يوصلك للحمام. هذه الأمور تكفي لتعريف الكرامة واختبار الصبر، فصبر جميل والله المستعان.

كلنا نتألم نعم، لكن هناك درجات من الألم والمعاناة. هناك من يشتكي من صداع، وهناك من يمسك رأسه أو يده من شدة الوجع، وهناك من يعاني بصمت لأن المرض لا يظهر عليه لكنه يصارعه في صمته ويبتسم للناس، بينما داخله يئن ويتألم، وقد يصارع للبقاء أمام الناس قويًا حتى لا يتشمت به أحد، أو هكذا يتوقع.

اعلان

في النهاية، ما نراه من بعضنا ما هو إلا قشور لا يعلم باطنها إلا خبير. والوجع الحقيقي في الداخل، لذلك أيها الصحيح من العلل، لا تأمن الصحة، فهي في لمحة بصر قد تتغير حياتك رأسًا على عقب. فلا تسخر من مشية متعرجة متعبة، ولا من جسد منهمك، ولا تستغرب وجهًا شاحبًا، ولا تُكثر من النصائح على مريض لم تخض أنت تجربته.
العافية هي الرزق الحقيقي والنعمة التي لا تعوض ولا تقدر بثمن، فاللهم لك الحمد.
بقلم: عائض الشعلاني.

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى