/
/
حين تغيب المائدة.. تتفكك الأسرة

حين تغيب المائدة.. تتفكك الأسرة

Picture of بقلم _ عبدالله محمد مسلم العثيمين

بقلم _ عبدالله محمد مسلم العثيمين

في زحمة الحياة الحديثة، بات مشهد اجتماع الأسرة على مائدة واحدة حدثًا نادرًا، بل غائبًا تمامًا في بعض البيوت. ومع مرور الوقت، لم تعد “الوجبة العائلية” مجرد لحظة طعام، بل أصبحت مؤشرًا اجتماعيًا يُقاس به تماسك الأسرة أو تفتتها.

الأسرة التي لا تجتمع.. ماذا بقي لها؟

قبل عقود، كان من المسلَّمات أن تجتمع العائلة وقت الغداء أو العشاء. الأم تطبخ، الأب يعود من العمل، والأبناء يتركون ألعابهم أو كتبهم ليجلسوا معًا. كانت المائدة منصةً للحوار، ومكانًا لتبادل الحكايات والمواقف، حيث تُبنى فيه العلاقات، وتُرمم الفجوات، وتُغرس القيم.
كانت مائدة الطعام في البيت هي اللقاء اليومي الذي لا يُفوّت، حيث يجتمع الأب والأم والأبناء، يتحاورون، يضحكون، يتبادلون الهموم والمواقف. أما اليوم، فقد تمزّق هذا المشهد إلى:
• الأب يتأخر في دوامه أو يسهر خارج البيت.
• الأم منشغلة بالهاتف أو الأعمال أو منصات التواصل.
• الأبناء متناثرون بين الأجهزة الذكية ووجبات التوصيل السريع.

وهكذا، تحوّلت الوجبة من لحظة حميمية إلى نشاط فردي، تملؤه العزلة، وتغيب عنه اللغة والمشاعر.

من ظاهرة سلوكية إلى أزمة مجتمعية

اعلان

عندما تغيب هذه اللحظة اليومية من التواصل، تتسع الفجوة النفسية داخل الأسرة. لا أحد يعرف هموم الآخر، ولا أحد يشعر بحاجة الآخر. وغالبًا ما تظهر آثار ذلك في صور متعددة:
• انعدام الحوار بين الأفراد.
• ضعف الرقابة التربوية.
• تصاعد العزلة والأنانية.
• سهولة الانجراف نحو أصدقاء السوء أو العالم الافتراضي.

وقد ربطت دراسات حديثة بين تفكك الأسرة وعدم اجتماعها اليومي، وبين ازدياد معدلات الاكتئاب بين المراهقين، وظهور اضطرابات سلوكية في الأطفال.

الخبير الاجتماعي يتحدث

يقول الدكتور عبد الرحمن الزهراني، أستاذ علم الاجتماع:

“الوجبة العائلية اليومية ليست طقسًا تقليديًا، بل ضرورة نفسية واجتماعية. إنها اللحظة الوحيدة التي يجتمع فيها أفراد الأسرة دون وسيط إلكتروني. غيابها المستمر مؤشر خطير على تآكل النسيج الأسري.”

الحل :يبدأ من المائدة

عودة الأسرة إلى مائدة واحدة، ولو مرة في اليوم، ليس أمرًا مستحيلًا. لكنها تحتاج إلى:
• قرار جماعي من الأسرة.
• تقنين أوقات العمل والخروج.
• إغلاق الهواتف أثناء الوجبة.
• استثمار اللحظة في الحوار لا فقط في الأكل.

فمائدة واحدة، تُجمع عليها القلوب قبل الأجساد، كفيلة أن تُحيي في الأسرة ما مات من المودة والرحم.
لست بحاجة لبرامج معقدة لإعادة اللحمة الأسرية… فقط ابدأ بمائدة واحدة في اليوم. احرص أن تكون وجبة الغداء أو العشاء لحظة يجتمع فيها الجميع، تُطفأ فيها الشاشات، وتُفتح فيها القلوب.
• اجعلها عادة لا تُكسر.
• تحدث مع أبنائك.
• اسألهم عن يومهم.
• شاركهم الضحكة والذكرى.

فربما تكون هذه الدقائق القليلة، هي ما يُبقي هذا البيت صامدًا وسط عواصف الحياة.

الخلاصة:

الأسرة التي لا تأكل معًا.. لا تبقى معًا.
إنها ليست مسألة طعام، بل مسألة حياة.

شاركها

‫2 تعليقات

  1. تفكك الأسرة في الوقت الحاضر يحدث ايضا بسبب عوامل اقتصادية مثل الفقر واسباب اجتماعية مثل سوء التربية وغياب القيم الأخلاقية وعوامل نفسية مثل غياب التواصل بين الاهل والاقارب والتفاهم بل واصبحت الصراعات مستمرة لاسباب واهية حفظنا الله واياكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى