/
/
قيمنا في زمن وسائل التواصل

قيمنا في زمن وسائل التواصل

Picture of بقلم _ أ/ عثمان أحمد الزهراني

بقلم _ أ/ عثمان أحمد الزهراني

كانت المجالس في زمن مضى مدارس تخرج منها العقول الفصيحة، والنفوس الفطنة، والطباع الرزينة. مجالس تُلقى فيها القصائد، وتُروى الحكايات، وتُدار فيها المشورات، ويتعلم الصغار من الكبار أدب الحديث، وميزان القول، وجزالة اللفظ، وصدق المشاعر. مجالس كان سنامها الحكمة، ولبّها الأخوة، وظلّها المودة.

وكان الصغير إذا حفّ بهذه المجالس، انكسر عنده جدار الحياء المصطنع، وتوقد ذكاؤه الاجتماعي، فشبّ عن الطوق وهو يدير المجلس بثقة، بعد أن تشرّب من الكبار علمًا، وحكمة، وتجربة.

لكن اليوم، ومع زحف التقنية، وتحديدًا وسائل التواصل والذكاء الاصطناعي، اختلطت الثقافات، وتبددت المعايير، فأصبح أبناؤنا لا يحسنون التعبير، ولا يضبطون الحوار، ولا يعرفون كيف ينصتون أو يتكلمون. فالولد يضحك وحده، ويبكي وحده، ويغضب وحده، أمام شاشة لا تشاركه أحاسيسه، ولا تقوم سلوكه. ولو سلّطت عليه كاميرا لرأى مشهدًا يدعو للرثاء لا للضحك، ولو كان راشدًا لمقت نفسه، وإن كان صغيرًا سخر من حاله.

لم تعد الأسرة ترى أبناءها إلا شذرات، حتى في مائدة الطعام –إن اجتمعوا– قلّ من يحضر، وكثر من يعتذر! انكمش كل فرد في زاويته، يعيش حياته الافتراضية، ينهل منها ما لا يُغني، ويتلقى منها ما لا يُفيد. فضاعت الصلوات، وتقطعت الأرحام، وضاعت مع الساعات فرائض وواجبات.

أما وسائل التواصل، فقد أقبل عليها الصغير والكبير، ذكورًا وإناثًا، فأصبحت عقولهم بين إدمان لهوٍ، وسُكر غفلة، وشرود ذهن. لم تعد العقول تقرأ، ولا الأفواه تذكر، ولا القلوب تنكر، ولا الأبدان تنشط. كثرت البلاهة، وساد الخمول، وتراجع التحصيل، وتهدمت العضلات، وفُقِدت اللياقة النفسية والجسدية معًا.

اعلان

فمتى يتعلم الأبناء المبادئ والقيم والسلوك والتدين، إن كانت هذه حالهم؟!

أما الكبار، فقد اختار بعضهم – مع الأسف – أن يكونوا أتباعًا لمشاهير التافهين، يقتاتون على فضلاتهم الفكرية، ويهيمون في التفاهة، ويتركون المسؤولية، فضاع البيت، وتفككت الأسرة.

أما المرأة – وهي عماد التربية – فغُرَّ بعضهن بزيف الأضواء، فضيّعن حق الرب، وحق الزوج، وحق الأبناء، فكيف ينشأ جيل صالح من أم مشتتة، أو من أب غائب، أو من قدوة ميتة؟!

غابت التربية، وضاعت القدوات، واستُبدلت المجالس بالنقر على الشاشات، واستُبدلت الذكرى الطيبة بالمقاطع السيئة، والصور الخادشة، والموسيقى الصاخبة، والكلام الفاحش، والشائعات الساقطة.

ولكن، رغم كل هذا، فإن التقنية سلاح ذو حدين.

لقد فطن العقلاء، فسخروا هذه الوسائل لنشر الخير، وتعليم العلم، ونشر الذكر، ونفع الخلق، فاختزلوا المسافات، وزادوا في الأعمار بفضل الأعمال، وأوصلوا المعروف، وهَدَوا الناس، وحذّروا من الشرور.

وهنا يأتي دورنا: لا بد من وقفة واعية تربوية اجتماعية شاملة، تحفظ أبناءنا وبناتنا من هذا التيه.
• نعم لوسائل التواصل الهادفة، لا للفوضى المدمرة.
• نعم للمحتوى القيمي والديني والتربوي، لا للتفاهة والانحدار.
• نعم للأب الواعي الحاضر، والأم المربية القوية، لا للغفلة والتهرب.
• نعم للقدوات النيرة من العلماء والدعاة والمربين، لا للمشاهير المفسدين.

إن مسؤوليتنا جماعية في حفظ القيم، وصون الأخلاق، وتعزيز الولاء للدين، ولولاة الأمر، وللوطن. يجب أن نعلم أبناءنا الانتماء لا التمرد، والحياء لا الجرأة، والنصيحة لا التهكم، والمروءة لا التفاهة.

فلنتدارك أبناءنا قبل أن تسقط قلاع القيم، وتنهار أسوار المبادئ، ونُصبح على مجتمعات غريبة في دينها، دخيلة في ثقافتها، منسلخة عن هويتها.

التقنية نعمة، ولكنها تحتاج إلى تربية، ورقابة، وبصيرة.
فلنكن حُرّاس القيم، ولنكن دعاة وعي، ولننقذ جيلاً يُرجى أن ينهض بهذه الأمة من كبوتها

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى