في ظلّ التحول الوطني الكبير الذي تشهده المملكة العربية السعودية بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وولي عهده الأمين صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان – حفظهما الله – تتواصل المبادرات النوعية التي تجمع بين الرؤية الطموحة والاستدامة البيئية. ومن أبرز تلك المبادرات “مبادرة السعودية الخضراء”، التي تهدف إلى مواجهة تحديات التغير المناخي وتحقيق بيئة حضرية أكثر صحة وجمالاً. ومن عمق هذه الرؤية، انطلقت دراسة نوعية تتناول تجربة الغطاء النباتي في المسجد الحرام، لتفتح آفاقًا جديدة نحو إعادة تشكيل البيئة البصرية والروحية لأقدس بقاع الأرض.
أطلق صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، في عام 2021 “مبادرة السعودية الخضراء” كخطوة وطنية طموحة تهدف إلى مكافحة التغير المناخي، ورفع جودة الحياة، وتعزيز التوازن البيئي في المملكة. وقد حددت المبادرة ثلاثة أهداف استراتيجية رئيسة تشمل:
• خفض الانبعاثات الكربونية من خلال التوسع في مشاريع الطاقة المتجددة.
• التشجير بزراعة 10 مليارات شجرة في أنحاء المملكة.
• حماية المناطق البرية والبحرية من خلال إعادة تأهيل الأراضي المتدهورة والمحافظة على البيئات الطبيعية.
وفي هذا الإطار، نظم معهد خادم الحرمين الشريفين لأبحاث الحج والعمرة بجامعة أم القرى، محاضرة علمية ضمن برنامج الإثراء المعرفي للفصل الدراسي الثاني 1443هـ، بعنوان: “دراسة وتقييم تجربة تطبيق الغطاء النباتي في المسجد الحرام”. قدم المحاضرة الدكتور مازن بن إبراهيم الشمراني، الباحث في قسم المعلومات والخدمات العلمية بالمعهد.
وتحدث الدكتور الشمراني عن أهمية الغطاء النباتي في تعزيز الراحة النفسية وتحسين جودة الهواء، مبينًا أن الفكرة أطلقتها الرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي بعد إعلان مبادرة السعودية الخضراء ومبادرة الشرق الأوسط الأخضر، بهدف زيادة المساحات الخضراء في بعض مناطق المسجد الحرام وساحاته، بما يعزز تجربة ضيوف الرحمن من المصلين والمعتمرين.
وقد أُشيد بالدور الريادي الذي قامت به وكالة الرئاسة للشؤون الفنية والتشغيلية والصيانة، إلى جانب المركز الوطني لتنمية الغطاء النباتي ومكافحة التصحر، في دعم وإنجاح هذه الدراسة التجريبية.
وأشار الدكتور الشمراني إلى أن الفريق البحثي ضم نخبة من المختصين من مختلف التخصصات العلمية، شملت البحوث البيئية والصحية، والهندسية والعمرانية، والمعلوماتية والتقنية، مؤكدًا أهمية توظيف التقنيات المتقدمة بما يتوافق مع خصوصية وقدسية الحرمين الشريفين.
ومن المقترحات العلمية لتطبيق الفكرة:
1. إنشاء مساحات خضراء في محيط الحرمين:
• زراعة نباتات مقاومة للحرارة والجفاف، مثل النخيل، السدر، اللبخ، والبوانسيانا.
• استخدام أنظمة ري ذكية للحفاظ على المياه.
• تصميم الحدائق بما لا يعيق حركة الزوار أو يتسبب في ازدحام.
2. التشجير العمودي والزراعة على الأسطح:
• تركيب جدران خضراء (Green Walls) على الأبنية المحيطة بالحرمين.
• استغلال أسطح المباني المجاورة لزراعة النباتات الصغيرة وغير المرتفعة.
3. دمج العناصر الطبيعية في التصاميم المعمارية:
• استبدال بعض العناصر الأسمنتية أو تغليفها بمواد حجرية طبيعية تتماشى مع الطابع الإسلامي والبيئة الصحراوية.
• استخدام الظلال النباتية في الممرات المؤدية إلى الحرم.
4. إعادة تأهيل الساحات الخارجية:
• تخصيص مناطق استراحة خضراء مزودة بأشجار ومقاعد مريحة.
• تثبيت مظلات صديقة للبيئة مغطاة بنباتات متسلقة لتوفير الظل وخفض درجة الحرارة.
ومن الفوائد المتوقعة من هذا الاقتراح :
• تحسين تجربة الحجاج والمعتمرين وجعلها أكثر راحة وسكينة.
• تقليل درجات الحرارة المحيطة بالحرمين الشريفين.
• تحسين جودة الهواء وتقليل التلوث الضوئي والحراري.
• تعزيز مفهوم الاستدامة البيئية في أقدس بقاع الأرض.
ومن التحديات المحتملة التي يجب وضعها في الاعتبار :
• الحفاظ على انسيابية حركة الحشود.
• متطلبات الصيانة المستمرة للمساحات الخضراء.
• اختيار أنواع نباتات لا تجذب الحشرات أو تسبب مشاكل صحية.
إن إدخال لمسة من الطبيعة في بيئة الحرمين الشريفين يُعدّ تطورًا نوعيًا ينسجم مع رؤية المملكة 2030، ويُجسد التوازن المنشود بين روحانية المكان واستدامة المكان. إنها رؤية تحمل أبعادًا إنسانية وبيئية وجمالية، تجعل من الحرمين الشريفين نموذجًا عالميًا في تطوير البيئات الدينية بما يعزز قدسية المكان ويُعلي من شأن راحة الزائرين.
كل الثناء والتقدير للقيادة الرشيدة، التي لا تدّخر جهدًا في سبيل تطوير المملكة في كافة المجالات، ومن ضمنها رعاية الحرمين الشريفين وتقديم أفضل التجارب الروحية والبيئية لزوار بيت الله الحرام. إن مبادرات كـ”السعودية الخضراء” ما هي إلا ترجمة واضح لحكمة القيادة وبعد نظرها، في سبيل بناء مستقبل زاهر في مختلف المجالات ومنها البيئية وجودة الحياة.














