في عمق البادية، وتحديدًا في منطقة البِتر الواقعة شرق عرق سبيع الرملي تسكن حكاية تتضوع منها رائحة الكرم، وتحملها الرياح بين السنين. هناك، كانت بير الدويحي، إحدى الشواهد الحية التي ارتوت منها ماشية القوم، وسُقي عندها الرفيق والضيف وابن السبيل، وسُطّرت عندها قصص الرجولة ومآثر الوفاء والعطاء .
و من بين. تلك رجالات ، يبرز الشيخ مذكّر ، رجل من طينة الكبار، عاش أبيًّا، و مضى حاملًا في قلبه معاني العزّ و الطيب ، كما ورثها عن أبيه جمعور. ، الرجل الذي غرس في أهله حبَّ الديار وحب العطاء والبذل ، والوقوف مع ربعه في السراء و الضراء، و تقديم المنايح في أيام الشدة، و هي عادة أصيلة لدى العرب تُمنح فيها الإبلُ أو الغنم للجار أو المحتاج حتى يجد القوّة و يعود متماثلاً مع من حوله ، وهنا يظهر التكافل الاجتماعي في المجتمع
لم يكن الكرم عند ( جمعور ) محصورًا في الضيوف فقط، بل كان أسلوب حياة، و سجيّة متوارثة، تسري في دمائهم كما تسري الدماء في العروق ..
وحين تُبشّر الأرض بالمطر والرمال بالغيث . كانت ( بير الدويحي ) شاهدةً على سُقيا الحلال، حيث تجتمع الإبل والغنم من كل صوب، يتهادى صداها في صباحات البادية، وتردها القلوب قبل الأفواه.
و مع كل قصة تُروى عنهم ، تتجدد معاني الوفاء لمعزة الربع، تلك القيمة التي لا تُقاس بثمن، بل تُقاس بالمواقف، حين يتخلى الناس و تبقى الرجولة واقفة. كانوا لا يعرفون التكبر، ولا يتخلّون عن ضعيف، يكرمون الضيف، و يعطفون على اليتيم، و يحفظون الجار، و يرفعون شأن من يصاحبهم.
فما بين الكرم الذي كان يُسكب كما يُسكب الماء في قداح القهوة، و الوفاء الذي كان يُغرس كما تُغرس نخلة طيبة، يبقى الشيخ مذكّر ووالده جمعور، نموذجًا لأصالة الرجال، وعنوانًا للمعاني التي لا تموت مهما تبدّلت الأيام.
وهكذا يخلّد التاريخ أولئك الذين كانت حياتهم من البذل و العطاء، تُحكى في المجالس ، و يُضرب بها المثل، وتُدرّس في مدرسة الكرام.














