بين حينٍ وآخر وفي مجلس أو مقطع أو قصة أو قصيدة أو عبر منصات التواصل الاجتماعي يخرج علينا من يستدعي صفحات التاريخ لا بقصد الاتعاظ والاستفادة من دروسه بل وكأنه يستحضره تمهيدًا لمعركة قادمة ،، فهذا يتحدث عن الحدود والديار وذاك يستعرض امتداد النفوذ من الشام إلى اليمن وثالث يروي المعارك والغزوات ورابع يعدد الأمجاد والمفاخر حتى يبدو المشهد وكأن صراعاتٍ خمدت منذ عقود ما زالت تبحث عمّن ينفخ في رمادها لتشتعل من جديد .
وللأسف لا يقف الأمر عند أصحاب هذا الطرح وحدهم بل يجدون من يمنح خطابهم غطاءً من العقلانية فيبرره ويضفي عليه المصداقية ويغذيه بروايات وتأويلات تزيده انتشارًا وتأثيرًا بدلًا من إخماده والتحذير من مخاطره وأصبح التاريخ في مهب الريح وكأننا على موعد مع إعادة إنتاج خلافات تجاوزها الزمن حتى بات البعض يحرص على استحضار الحدود القديمة والمعارك والأنساب والوقائع ليقنع الأجيال بأن المجد لا يكون إلا بإحياء الخصومات وأن البطولة تقاس بما كان بين القبائل من نزاعات لا بما تحقق لهذا الوطن من وحدة واستقرار .
بل إن بعضهم لا يكتفي بسرد الوقائع وإنما يسعى إلى إقناع الناس بأن قبيلته وحدها كانت صاحبة المجد وأن غيرها لم يكن إلا تابعًا أو أقل شأنًا منهم في صورة تعكس تعصبًا لا يمت إلى الحقيقة بصلة فماذا يجري أيها السادة وهل ضاقت بنا هموم الحاضر حتى عدنا نفتش في دفاتر الماضي عن أسباب جديدة للخلاف وهل تاهت بعض العقول حتى أصبح استدعاء العصبية القبلية مشروعًا للتفاخر وإثارة الانقسام
لقد كانت تلك الأزمنة مهما حملت من قصص البطولة والشجاعة عصورًا قاسية عاش فيها الناس الجوع والخوف والمرض والتشرد وكانت القبيلة بالنسبة لكثير منهم الملاذ الوحيد في ظل غياب الدولة والنظام كانت الدماء تُراق والحقوق تضيع وكان القوي يأكل حق الضعيف ولا يجد الإنسان من يحميه إلا عشيرته وتحالفاته .
فأي زمنٍ نريد أن نستدعيه اليوم وأي واقعٍ نتمنى العودة إليه لم يكن ذلك العصر عصر رفاه ولا أمن ولا استقرار بل كانت الحياة فيه مليئة بالمشقة وكان الولاء في كثير من الأحيان للقبيلة قبل أي شيء آخر لأن الظروف فرضت ذلك لا لأنه النموذج الأمثل للحياة ،، ثم جاء الإسلام فهدم دعائم العصبية ووحد الناس تحت راية العقيدة وجعل ميزان التفاضل التقوى والعمل الصالح لا الحسب ولا النسب فأخرج البشرية من ضيق الانتماءات الضيقة إلى سعة الأخوة الإسلامية .
ثم تعاقبت الأزمنة وعادت القبائل في بعض المراحل إلى التنافس والاقتتال على الماء والمرعى والحدود والمصالح حتى قيض الله لهذه البلاد رجلًا جمع شتاتها ووحد كلمتها هو الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود رحمه الله الذي استطاع بحكمته وعزيمته أن ينقل هذه البلاد من الفرقة والاقتتال إلى دولة واحدة وراية واحدة ونظام واحد وأمن شامل وهنا ينبغي أن تقال الحقيقة كما هي دون مبالغة أو انتقاص فهذا الكيان الوطني العظيم لم تبنه قبيلة واحدة بل قبائل ولم تصنعه منطقة دون أخرى وإنما شاركت في تأسيسه جميع القبائل والمناطق وقدمت رجالًا وتضحيات ومواقف وطنية مشهودة حتى اكتمل هذا البناء وأصبح وطنًا يجمع الجميع .
ولذلك لا يليق اليوم أن تدعي قبيلة أنها وحدها صنعت التاريخ أو أن تنتقص من غيرها أو تنسب لنفسها ما هو نتاج جهود الجميع نعم لكل قبيلة تاريخها ورجالها ومواقفها التي تستحق الاعتزاز ولكل منطقة صفحات مشرقة في سجل الوطن لكن الاعتزاز المشروع شيئ وتحويل التاريخ إلى ميدان للمزايدة والانتقاص من الآخرين شيء آخر إن مجد القبيلة الحقيقي لا يكون بإثبات أنها كانت أفضل من غيرها وإنما بأن تكون جزءًا من مجد وطنها وأن يكون أبناؤها شركاء في نهضته كما كانوا شركاء في تأسيسه لقد أصبح الجميع اليوم تحت راية واحدة وفي ظل دولة واحدة ونظام واحد ولم تعد القبيلة هي مصدر الأمن ولا السلاح هو وسيلة الحماية بل أصبحت الدولة هي الحامية للجميع والعدل هو المظلة التي يستظل بها الجميع .
واليوم نجوب أنحاء وطننا آمنين مطمئنين انتشر التعليم وتطورت الخدمات الصحية وأقيمت الجامعات وأنشئت المصانع وازدهرت المدن وتقدمت المملكة في مجالات الاقتصاد والعلم والتقنية حتى أصبحت نموذجًا تنمويًا يحظى بالاحترام والتقدير ،، رحم الله موحد هذه البلاد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود ورحم أبناءه البررة الذين رحلوا بعد أن أسهموا في مسيرة البناء وحفظ الله خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان وأدام على بلادنا الأمن والاستقرار .
فماذا يريد دعاة الفتنة بعد كل هذا وعن أي أمجاد يبحثون وإلى أين يريدون أن يقودوا أبناء هذا الوطن لقد عاش الآباء والأجداد ظروفًا لا نتمنى أن تعود وصبروا على الشدائد ثم مضوا إلى ربهم بما قدموا أما نحن فقد أنعم الله علينا بنعم عظيمة قد نعجز عن إحصائها إن بعض الناس اليوم إذا تأخرت عليه وجبة طعام تضايق وتضجر فكيف سيكون حاله لو عاش أيامًا لا أمن فيها ولا نظام ،، إن من أعظم شكر النعمة أن ندرك قيمتها وأن نحافظ عليها وأن نعترف بفضل الله أولًا ثم بفضل هذه الدولة التي حفظت الأمن وصانت الحقوق وأقامت العدل وجمعت أبناء الوطن تحت راية واحدة فدعوا عنكم الفتنة فإن الفتن إذا اشتعلت لن تفرق بين أحد وقد قيل“لعن الله موقظ الفتنة.”
كونوا عباد الله إخوانًا ولا تجعلوا الشعر والشيلات والمجالس والمنابر ومنصات التواصل وسائل لإحياء ما دفنته الوحدة الوطنية ولا تجعلوا تاريخ الآباء والأجداد وقودًا لصراعات لا يحتاجها الوطن فالتاريخ ليس ساحة للمزايدات والقبيلة ليست ميدانًا لإشعال الفتن ومن حق كل إنسان أن يعتز بأصله وقبيلته لكن ليس من حق أحد أن يجعل هذا الاعتزاز وسيلة للنيل من الآخرين أو التقليل من شأنهم أو التشكيك في تاريخهم أو صناعة الخصومة بين أبناء وطن واحد لقد أصبحت الكلمة اليوم أسرع انتشارًا وأعظم أثرًا فما يقال في مجلس محدود قد يصل خلال دقائق إلى مئات الآلاف ويبقى محفوظًا ومتداولًا بين الأجيال ولذلك أصبحت مسؤولية الكلمة أعظم من أي وقت مضى .
ومن هنا فإنني آمل من وزارتي الإعلام و الداخلية التعامل بحزم مع كل من يثير النعرات القبلية أو يروج للروايات التاريخية المضللة أو يتجاوز حدود الاعتزاز المشروع إلى إثارة العصبية والانتقاص من الآخرين وذلك وفق الأنظمة التي تحفظ وحدة المجتمع وتردع كل من يحاول العبث بها
أما نحن فقبيلتنا السعودية وشيخنا سلمان بن عبدالعزيز وقائد مسيرتنا محمد بن سلمان وكل شبر في هذه البلاد هو أرضنا من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها يجمعنا دين واحد ووطن واحد ومصير واحد ومستقبل واحد فاللهم أدم علينا نعمك واحفظ علينا أمننا ووحدتنا ولا تؤاخذنا بسفهائنا واجعلنا من الشاكرين لأنعمك المحافظين عليها .
فإذا أردتم التفاخر فتفاخروا بوطنكم وبقيادتكم وبإنجازات بلادكم فهذه هي المفاخر التي تستحق أن تورث للأجيال أما أن نفتش في دفاتر الماضي عن معركة أو خصومة أو ثأر أو حدود ثم نحولها إلى مادة للعصبية بين أبناء وطن واحد فليس ذلك مجدًا ولا بطولة وإنما دعوة صريحة إلى الجاهلية التي نهى عنها الإسلام إن المجد الحقيقي هو أن نحافظ على ما بناه الآباء والأجداد وأن نسلم أبناءنا وطنًا أكثر تماسكًا لا تاريخًا يتخاصمون عليه ولا روايات يتنازعون بسببها حفظ الله المملكة العربية السعودية وأدام عليها أمنها ووحدتها واستقرارها وحفظ قيادتها وشعبها وجعلنا جميعًا من المحافظين على نعمته العاملين لما فيه خير ديننا ووطننا .














