/
/
القراءة بين الماضي والحاضر

القراءة بين الماضي والحاضر

Author picture

القراءة هي الغوصُ في عوالم الكتاب وبطاقةُ سفرٍ إلى آفاقٍ جديدة، ومنبعُ الخيال الخصب ومرشدٌ نزيهٌ للمعرفة. القراءةُ صلةُ وصلٍ بين القارئ والكاتب، فترى الكاتب يرسمُ في كتابه طرقاً مختلفة تمهّد لقارئه القدرة على السير إلى دنىً لم تكن مخلوقةً بعد فيخطو إليها بخفةِ طائرٍ من المجهول إلى المعلوم. لم تكن القراءةُ كما نألفها الآن في زمننا الحالي، بل مرّت عبر السنين بمراحل عدّة من التطوّر والتغيّر، في كل حقبة كانت تظهرُ بشكل يتناغم مع الأدوات المتاحة في تلك المدة من الزمن، حتى وصلت إلينا بثوبِ التقنيات الذي كسا كل جوانب الحياة. في البداية كانت فعلاً جماعياً حيث كان أحدهم يأخذُ دور القارئ فيقرأ بصوتٍ جهْوري أمام الناس لتصل المعلومة المراد نشرها علناً وجمعاً. كانت النصوص والمخطوطات من محض نقوشٍ على جدران الكهوف، إلى التدوين على الألواح الطينية ثمّ على أوراق البردي، مرّت الكتابة برحلةٍ طويلة ولم تكن متوفرةً للجميع. انتقلت القراءة في مرحلة أخرى إلى القراءة من الكتب والصحف بعد اختراع الطباعة، فأجرت تلك الأخيرةُ تحولاً ثورياً في عالم نهل العلم والمعلومات لتصبح نشاطاً فردياً، يتفننُ بفضله القارئ في اختيار مايرغب من الموضوعات والعناوين، ينتقي من الكتب مايتماشى مع توجهاته، فيختار ما يثري خياله ومكنوناته، ويعزفُ عما لا يعجبه أو يغريه. كانت القراءةُ من الكتاب مغامرةً حقيقيّة ففي كل صفحةٍ متعةٌ جديدة قد تجدها بالإضافة لما تخطها الصفحة، رائحة الكتاب وحلاوة تقليب الصفحات، انتهاءً بالوصول لنهايته حيث يمدّكَ بتجربةٍ كتبها غيرك لكنّك استطعت من مكانك و دون أن تتحرك أن تعيشها. خلقت هذه الحالة الشعورية الجميلة لقراءة الكتب حالة من إدمان القراءة لبعض القرّاء ولا شكّ أن هذا الإدمان كان إدماناً صحيّاً ولا يحتاج إلى علاج. لعلّنا الآن نفتقد كثيراً لهذه العادة الجميلة بما تكنزهُ من حلاوة في صفحاتها الورقيّة، فالقراءة تحوّلت في عصرنا الحالي إلى شكلٍ آخر، وُلد مع متطلبات العصر التقنية. صار القارئ قادراً على قراءة ما يحتاجه من معلوماتٍ على منصات التواصل الاجتماعي ، دون الذهاب للمكتبات وانتقاء الكتاب المناسب. غدتُ القراءة اليوم عبر الأجهزة الالكترونية متاحةً في أي وقتٍ وفي أي مكان، فعندما يصادفكَ سؤالٌ يحتاج إلى إجابةٍ دقيقةٍ من مرجعٍ علميّ معتمد، يمكنك في ذات اللحظة البحث عبر هاتفك المحمول في كميةٍ لامتناهيّة من المراجع والكتب والأبحاث والدراسات دون الحاجة إلى التوجّه إلى أقرب مكتبةٍ و إضاعة الوقت بالبحث في أقسامها ورفوفها عن غايتك المنشودة.

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى