في ذكراها التاسعة، المملكة تودع مرحلة التخطيط وتدخل عصر “تعظيم الأثر” بـ93% من المستهدفات
عندما أعلن سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، رئيس مجلس الوزراء، رؤية 2030 قبل تسع سنوات، كان الطموح يسبق الإنجاز بخطوات واسعة، وكان السؤال المطروح: كيف لاقتصاد اعتمد لعقود على النفط أن يعيد تشكيل نفسه بهذه السرعة؟ واليوم، مع حلول الذكرى التاسعة، لم تعد الرؤية مجرد طموحات نظرية، بل تحولت إلى واقع معاش يعيشه المواطن والمقيم، وأرقام قياسية تُسجل في المحافل الدولية.
اليوم، ومع دخول عام 2026، تعلن المملكة بداية المرحلة الثالثة من رؤيتها الطموحة، حيث يتحول السؤال من “هل نستطيع الإصلاح؟” إلى “كيف نُعظم الأثر ونجعل الإنجاز مستداماً للأجيال القادمة؟”. هذا التحول الجوهري في الخطاب يعكس ما تحقق على الأرض من نتائج استثنائية، تؤكد أن مهندس الرؤية لم يكن مجرد قائد سياسي، بل كان صائغاً حقيقياً لملحمة وطنية شاملة.
من مؤشرات إلى إنجازات.. 93% على الطريق الصحيح
في مشهد يعكس نضج التجربة السعودية في إدارة التغيير، كشفت الأرقام الأخيرة عن نتائج تؤكد أن الإصلاحات تجاوزت مرحلة التجربة إلى مرحلة “الوضع الطبيعي الجديد”. فـ93% من مؤشرات الأداء الرئيسية للرؤية إما تحققت أو هي على المسار الصحيح، وهو ما يمكن وصفه بأنه “دليل تسليم” وليس مجرد وعد.
الرقم الأكثر دلالة هو أن 299 مؤشراً تجاوزت مستهدفاتها قبل خمس سنوات كاملة من الموعد المحدد، مع تحقيق 69 مؤشراً أداءً متقدماً يفوق التوقعات. هذا ليس تحصيل حاصل، بل ثمرة سياسة اقتصادية انتهجت “العجز المستهدف” كأداة استثمارية، حيث يُنظر إلى الاقتراض ليس كعبء، بل كقيمة مضاعفة عندما يوجه نحو مشاريع تنموية كبرى تعيد تشكيل البنية الاقتصادية للدولة.
الاقتصاد الجديد.. عندما يتحدث الناتج المحلي
التحول البنيوي الذي تحدث عنه سمو ولي العهد في أكثر من مناسبة لم يعد شعاراً. فخلال السنوات التسع الماضية، قفز الناتج المحلي الإجمالي من 2.6 تريليون ريال في 2016 إلى 4.7 تريليون ريال بنهاية 2024، بمعدل نمو سنوي متوسط بلغ 8%.
لكن اللافت حقاً هو تركيب هذا النمو. فالدور المتزايد للقطاع الخاص، الذي بات مساهماً رئيسياً في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 50.3%، يعكس شراكة حقيقية بين الحكومة ورجال الأعمال، وهي الشراكة التي أثمرت آفاقاً واسعة في قطاعات السياحة والترفيه والتقنية والاقتصاد الرقمي. وقد تجلى ذلك في ارتفاع عدد المنشآت الصغيرة والمتوسطة من 500 ألف إلى 1.7 مليون منشأة، ما أسهم في توفير أكثر من 1.2 مليون فرصة وظيفية جديدة.
الأنظار تتجه أيضاً إلى القطاع غير النفطي الذي سجل قفزة نوعية بمساهمة بلغت 55.4% من الناتج المحلي الإجمالي، ليؤكد أن رؤية 2030 تسير بثبات نحو فك الارتباط التاريخي بين النمو المحلي وتقلبات أسعار النفط.
المواطن في القلب.. تمكين وتوطين
ربما تكون المؤشرات الاجتماعية هي الأكثر تعبيراً عن نجاح الرؤية. ففي الوقت الذي تركز فيه الحكومات حول العالم على الأرقام الكلية، حرصت القيادة السعودية على أن يلمس المواطن هذا التحول في حياته اليومية. سمو ولي العهد كان واضحاً عندما أكد أن “المواطن هو الهدف الأول”.
النتائج على الأرض تؤكد ذلك: انخفاض معدل البطالة إلى أقل من 7% لأول مرة، متجاوزاً مستهدف الرؤية، وارتفاع عدد السعوديين العاملين في القطاع الخاص إلى 2.5 مليون مواطن، وهو رقم غير مسبوق. كما أن تمكين المرأة السعودية وتوسع مشاركتها في سوق العمل أصبح نموذجاً يُحتذى به إقليمياً وعالمياً.
وفي قطاع الإسكان، تجاوزت نسبة تملك الأسر السعودية للمساكن 65.4%، متخطية المستهدف لعام 2025، وهو ما يعكس نجاح السياسات المتوازنة التي تهدف إلى تسهيل تملك المواطنين لمنازلهم مع الحفاظ على استقرار السوق العقاري.
السعودية في العالم.. من متلقي إلى مؤثر
لم تعد السعودية مجرد سوق واعدة تستقبل الاستثمارات، بل تحولت إلى فاعل رئيسي في تشكيل الاقتصاد العالمي. فاستقطاب أكثر من 700 شركة عالمية لمقراتها الإقليمية في الرياض، متجاوزاً الهدف الأصلي البالغ 500 شركة، يؤكد أن البيئة الاستثمارية في المملكة باتت تنافس كبرى المراكز العالمية.
كما أن الحضور السعودي في المحافل الدولية لم يقتصر على عرض الإنجازات، بل تخطاه إلى إطلاق مبادرات نوعية، كاستضافة أول قمة عالمية للشعاب المرجانية، وإطلاق أطر عمل مبتكرة لتسريع التحول الصناعي. هذا الحضور الدولي يعكس واقعاً ملموساً مفاده أن الإصلاحات السعودية تجاوزت مرحلة “السياسات والبرامج” إلى “تغيير السلوك المؤسسي للسوق والأفراد”، وهذا هو الضمان الحقيقي للاستدامة.
المرحلة الثالثة.. نحو ما بعد 2030
مع بداية هذه المرحلة الجديدة في 2026، يتحول التركيز من بناء الأساسات إلى تعظيم الأثر وتسريع وتيرة التنفيذ. فصندوق الاستثمارات العامة، الذي نما من 150 مليار ريال إلى أكثر من 800 مليار ريال، يواصل تطوير قطاعات استراتيجية وبناء شراكات عالمية، ليس بهدف توزيع أرباح قصيرة المدى، بل لضمان عوائد مستدامة للأجيال القادمة.
ما نشهده اليوم ليس مجرد تحقيق أهداف كمية، بل بناء نموذج تنموي متكامل يجمع بين الإرث الثقافي والتقدم الحديث، بين الطموح الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، وبين الهوية الوطنية والانفتاح العالمي. إنه نموذج أثبت أن الدول لا تصنع مستقبلها بالخطط فقط، بل بالإرادة والعمل الدؤوب والثقة في القيادة.
في الذكرى التاسعة لرؤية 2030، تستطيع المملكة أن تقول بكل ثقة: المستقبل لم يعد حلماً ننتظره، بل أصبح حاضراً نعيشه، وإنجازات نلمسها، وقصة نجاح نكتبها بأنفسنا لأجيال قادمة.














