بين ركام الوجع العربي الممتد من المحيط إلى الخليج، وفي خضم موجات التغريب والتهجين التي تجتاح العقول، يقف المرء مذهولاً أمام مشهد سريالي لم تعهده أمتنا في أحلك عصور انكسارها.
نحن لا نواجه اليوم غزواً بالسلاح فحسب، بل نواجه غزواً بالضجيج واحتلالاً للمخيلة.
حيث أُُطلقت جيوشٌ من لصوص الوعي لتعيث في عقلنا الجمعي فساداً، ممهدةً الطريق لزمن غابت فيه الحكمة وتصدرته السطحية.
لقد نجح الإعلام المضاد في هندسة واقع بديل عمد فيه بسبق إصرار وترصد إلى وأد النوابغ وتغييب النخب.
هؤلاء القابضون على جمر المبادئ، أصحاب الرؤى الثاقبة الذين لا تشترى ذممهم بفتات الموائد، وجدوا أنفسهم فجأة غرباء في أوطانهم، محاصرين بتهم التحجر أو التعقيد.
بينما فُتحت أبواب الشاشات والمنصات على مصاريعها لسفهاء الشعوب.
إن ما نراه اليوم ليس مجرد صدفة تقنية أو نتاج ثورة رقمية عابرة، بل هو عملية خصاء فكري منظمة.
لقد جرى تلميع التافهين وتقديمهم كقدوات بديلة، ليتحول الترند إلى معيار للحقيقة، واللايك إلى صك غفران للجهل.
أصبح لص الوعي هو من يفتي في شؤون الأمة، بينما يلوذ المفكر الحصيف بصمتٍ قسري، يراقب بمرارة كيف تُباع الأوطان في مزادات الولاءات الضيقة والمصالح العابرة.
هذا التهجين الذي طال العقل العربي، استبدل الإنتماء الأصيل بتبعية عمياء، وحول القضايا المصيرية إلى مجرد محتوى للاستهلاك اليومي السريع.
لقد صار العقل العربي النبيه، الذي قاد الحضارة يوماً، يعاني من أنيميا ثقافية حادة، نتيجة تغذيته بـوجبات إعلامية مسمومة، تكرس المادية الطاغية وتنزع من الإنسان روحه وثوابته.
ولكن، وعلى الرغم من قتامة المشهد، فإن التاريخ يخبرنا أن العقل الحكيم قد يمرض لكنه لا يموت.
إن استعادة الوعي تبدأ من رفض هذا التدجين، ومن الجرأة على قول لا لثقافة التفاهة.
إننا بحاجة إلى ثورة فكرية مضادة تعيد الاعتبار للمثقف العضوي، وتنتشل النوابغ من عتمة التهميش إلى ضياء التأثير.
إن المعركة الحقيقية اليوم ليست معركة حدود، بل هي معركة وجود، فإما أن نستعيد عقلنا العربي الواعي النبيه، وإما أن نستمر في الانقياد خلف سراب صممه لنا الآخرون لنبقى دوماً في ذيل القافلة.
إن الاوطان لا يبنيها التافهون، بل ترفعها سواعد العلماء وعقول الحكماء ونصائح وتنبيهات المفكرين والوطنيين الشرفاء الذين يرون ما خلف الأفق














