يبدو أن حسابات الحقل لم تنطبق على حسابات البيدر , هذا هو حال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أوكرانيا , الغرب يدفع الآن ثمن سكوته على مغامرات بوتين واحتلاله لأجزاء من أراضي الدول المجاورة مثل أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا في جورجيا , ثم جزيرة القرم وما تلاها من احتلال شرق أوكرانيا من قبل الجماعات الانفصالية وبدعم من روسيا , ومن بعد ذلك تدخله في سوريا ,اعتقد بوتين أن عدم تدحل الغرب لإيقاف تغوله دلالة على ضعفه وتفككه . فبدأ يتدخل في القارة الإفريقية (مالي , ليبيا ..) , بل وفي أمريكيا الجنوبية الحديقة الخلفية لأمريكا (فنزويلا) . الانسحاب الأمريكي من أفغانستان كان بمثابة (الضوء الأخضر) لبوتين , والذي بدوره ازداد (تنمرا) , وفتحت شهيته لابتلاع المزيد من الدول (اوزباكستان) , بل بدأ يهدد باحتلال دول أخرى مثل (أذربيجان , أرمينيا ..) , بل وجدناه يهدد بضرب دول تبعد عن روسيا آلاف الكيلو مترات وفي قارات أخرى , الرئيس الروسي بدأت تظهر عليه علامات الإصابة بمرض جنون العظمة , فوجدناه لا يقيم وزنا للأعراف والقيم الدبلوماسية الدولية , يحتقر ضيوفه من زعماء الدول , ناهيك عن التصريحات العنترية غير المتزنة التي كان يطلقها بين الحين والآخر , بل ولا يتردد في التلويج بالنووي (الابتزاز) . هنا بدأ الغرب يدرك بأنه أمام (هتلر) جديد وأن تقديم أي تنازلات أخرى له لن تجدي معه نفعا , وأنه لا بد من التصدي له وتدمير أحلامه القيصرية قبل أن تخرج الأمور عن السيطرة (الحرب العالمية الثالثة) . لقد بدأ الغرب يتوحد في مواجهة هذا الخطر الداهم , بل وجدنا العديد من الدول حتى المحايدة مثل السويد تطلب الانضمام إلى حلف الناتو , ابتلع القيصر الروسي الطعم وتم الإيقاع به في الفخ الأوكراني . هنا بدأ الغرب يكشر عن أنيابه وبدأ بفرض أقصى العقوبات عليه , والتي جعلت الاقتصاد الروسي يترنح والعملة الروسية تكاد تخرج من الخدمة . هنا بدأ القيصر يدرك حجم المشكلة التي وقع فيها , ومدى دهاء ومكر الغرب الذي استطاع أن يوحد العالم ضده سواء كان ذلك خوفا أو طمعا , حتى الصين التي كان يعول عليها في كسر الحصار الاقتصادي ودعمه عسكريا قد تخلت عنه خوفا من أن تتعرض إلى نفس العقوبات . ناهيك عن الدعم العسكري من حلف الناتو ودول الجوار والذي مكن الجيش الأوكراني من الصمود بل وتمكن من إيقاع خسائر كبيرة في الأرواح والمعدات الروسية (الطائرات المسيرة) . لقد وجدنا نتائج ذلك في التغيرات التي طرأت على الموقف الروسي عند بداية الغزو عفوا العملية العسكرية , فمن الشروط التعجيزية على وزن (الاعتراف بسيادة روسيا على شبه جزيرة القرم , الاعتراف باستقلال كل من إقليم دونيتسك ولوغانسك , التخلي عن الأسلحة النووية في المستقبل , منزوعة السلاح , دعوة قادة الجيش إلى الانقلاب على الحكومة الشرعية , نزع علم أوكرانيا واستبدالة بالعلم الروسي , الحياد التام ..) , إلى اللهجة التصالحية التي بدأت تبدو بوضوح في تصريحات الرئيس الروسي بوتين والذي بدأ يظهر على الشاشة وهو شاحب الوجه وعلامات القلق تبدو على محياه ( الخوف) ، فبدأ يقدم العديد من التنازلات من باب حسن النوايا والدواعي الإنسانية وأن روسيا منفتحة ومستعدة للسلام , وهي ترغب في تلبية مطالبها الأمنية , ووجدنا وزير الخارجية الروسي يهرول إلى أنقرة ويجتمع مع وزير خارجية أوكرانيا , إضافة إلى الجهود الدبلوماسية التي تقوم بها تركيا من أجل عقد سلام طويل الأمد والذي بدأ يلقى آذانا صاغية من جميع أطراق الصراع , ولا استغرب أن يتم عقد لقا قمة بين كل من بوتين روسيا وزيلنسكي أوكرانيا بعد أن أدرك كلاهما مدى تآمر الغرب وخذلانه ( الاستنزاف) . أعتقد بأن اتفاق السلام سوف ينص على انسحاب القوات الروسية من أوكرانيا على أن تستمر المفاوضات الماراثونية حول شرق أوكرانيا وجزيرة
القرم . حتى لو تم عقد سلام بين أوكرانيا وروسيا فإن الغرب لن يرفع العقوبات عن روسيا بوتين بشكل مباشر , لأنه فقد الثقة به وأنه لن يتوانى عن العودة إلى مغامراته مرة ثانية اذا سنحت له الفرصة , على أمل ان يتم اسقاطه في انتفاضة شعبية أو انقلاب عسكري أو حتى اغتياله . بقي ان نعرف ان القاسم المشترك بين كل من الغرب وروسيا يكمن في أن كلاهما في الهواء حروب وخراب ودمار وقتل وسلب ونهب لثروات الأمم وان هذا يمثل تاريخهم وثقافتهم وطريقة تفكيرهم .
روسيا تجنح إلى السلام
- 18/03/2022
- 12476
شاركها
-
سعودي وأفتخر
ما شاء الله الله يوفقه نموذج يحتذى به لقوة الإرادة....
-
فيصل الغامدي
امتناني وتقديري....
-
عبدالهادي الصويان
المدير الناجح هو الذي ينجح في تحقيق الأهداف، وينجح في التواص...
-
فاطمة المفرح
دامت حروفك سراجاً ينير طريق الكلمة الطيبة . فقد نظمت من الشع...
-
الاعلامي رشيد البلوي
كتبت فأجدت بورك في قلمك...
أخبار المجتمع
-
أمين سر جمعية الصحافيين الكويتية يحتفل بزفاف نجله «محمد»منذ أسبوع واحد














