حديث سمو الأمير تركي الفيصل عن وحدة الخليج، وتحذيره من الإساءة ومحاسبة كل من يتجاوز، لم يأتِ من فراغ. فقد سبقه حديث واضح عن “الذباب الإعلامي” ودوره في نشر الكراهية وتأجيج الخلافات والتطاول على الرموز الوطنية. وهذا يؤكد ما عبّرت عنه قيادتنا منذ البداية من موقف ثابت يرفض المساس بالرموز أو الإساءة إلى أي من الشعبين الشقيقين.
ومن هنا تتضح خطورة الدور الذي لعبته بعض الحسابات المعروفة و”الملاقيف” الذين استغلوا وجود تباين في وجهات النظر، وحاولوا تحويله من اختلاف طبيعي إلى حالة من الاحتقان الشعبي. فقد مارسوا الشحن والتحريض، وشجعوا على الإساءة إلى دولة وشعب وقيادة، وساهموا بشكل مباشر في تعميق الفجوة وتصعيد التوتر بين الأشقاء. ولهذا فإن محاسبة هؤلاء ليست مجرد مطلب إنّما ضرورة لحماية النسيج الخليجي ومنع تكرار مثل هذه الممارسات.
ولن ينسى التاريخ ولا المتابعون ما شهدته بعض المنصات والمواقع من حملات تجاوزت حدود النقد والخلاف، لتصل إلى الإساءة للرموز الوطنية، والطعن في الشعوب، والاستهزاء باللهجات، بل وحتى قذف الرجال والنساء والتعرض لهم بألفاظ لا تليق بقيم مجتمعاتنا الخليجية. وهي ممارسات لا يمكن تبريرها تحت أي ذريعة، لأنها لا تمثل رأيًا ولا حرية تعبير، بل تعديًا صريحًا على الأخلاق وروابط الأخوة.
وفي المقابل، جاءت بعض ردود الفعل من الطرف الآخر كردة فعل على ما تعرضوا له، فمن حق أي شعب أن يدافع عن نفسه وعن رموزه. إلا أن المحرضين أنفسهم سعوا لاحقًا إلى اجتزاء تلك الردود وتقديمها على أنها أصل المشكلة ودليل الإدانة، متجاهلين السياق الحقيقي والأسباب التي سبقتها.
إن قراءة المشهد بإنصاف تقتضي ألا نغفل عن نقطة البداية، وألا نسمح للميول والانتماءات أن تحجب الحقيقة. فالمشكلة لم تكن يومًا في اختلاف وجهات النظر، وإنما في الأصوات التي تعمدت استثمار هذا الاختلاف وتحويله إلى صراع بين الأشقاء، خدمة لأجندات لا تخدم أحدًا.
وفي النهاية، تبقى وحدة الخليج هي الأساس الذي يجب أن تقاس عليه جميع المواقف. فنحن أبناء بيت واحد، وما يجمعنا من تاريخ ومصير وروابط اجتماعية وأخوية أعمق وأقوى من أن تعبث به حسابات تبحث عن الإثارة أو تعيش على صناعة الأزمات. ولا يحق لأي فرد، كائنًا من كان، أن يسيء إلى شعب أو دولة أو رمز، لأن الحفاظ على هذه الوحدة مسؤولية مشتركة تتطلب الوعي والحكمة ورفض خطاب الكراهية والتحريض من أي طرف كان.














