على مدى الأربعمائة إلى الستمائة سنة التي سبقت، شهدت معظم أجزاء الكرة الأرضية انتشار حضارة ومجتمعات تكرس الفكرة التي انطلقت من معظم أنحاء أوروبا والتي تعتبر التجارة والاستهلاك مصدرين أساسيين للعيش الكريم. وتعتبر هذه الحضارة، وهذه المجتمعات، من نواحِ عدة من أنجح ما شهده العالم حتى الآن. وتشهد تقنيتها وثروتها وقوتها على هذا النجاح. ولكن الأمر لم يخل من مشاكل رافقت هذا التوسع والانتشار وهي مشاكل نتجت عن تنامي حالة عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية والتدمير البيئي والقلاقل الاجتماعية والمجاعات التي أصابت أعداداً كبيرة من البشر.
وينظر معظم أبناء هذه الحضارة، وهذه المجتمعات، إلى تلك المشاكل على أنها بعيدة عنهم أو أنها تحديات يتوجب عليهم مواجهتها. ومع ذلك يوجد احتمال بأن تكون تلك المشاكل التي تهدد بإلغاء جميع ما حققته هذه الحضارة من إنجازات، متأصلة في صلب هذه الحضارة نفسها. وهذا الاحتمال هو ما سيتم استكشافه عبر هذا الكتاب.
يقول ريتشارد روبنز عن كتابه (المشاكل العالمية وثقافة الرأسمالية ) : وقد انبثق مخطط هذا الكتاب قبل سنوات قليلة عندما شاركت زملائي في جامعة ولاية نيويورك ببيتسبورغ، جيمس أرمسترونغ ومارك كوهن، في تطوير مساق دراسي حول المشكلات العالمية. فقد أردنا أن نوجد مساقاً يمكنه مساعدة الطلاب على فهم القضايا العالمية الرئيسة التي يشاهدونها في وسائل الإعلام مثل مشاكل ما يسمى بالانفجار السكاني والمجاعات والتدمير البيئي لكوكب الأرض وظهور أوبئة جديدة وانتشارها.
ثم يقول : كذلك احتجنا إلى تعويض نقص المعلومات في خلفية معظم الطلاب حول النواحي المتعلقة بعلم الإنسان والتاريخ والاقتصاد، وهي معلومات أساسية في تفهم جذور المشكلات التي سنقوم بدراستها. وأخيراً احتجنا إلى إيضاح أن هذه المشاكل التي درسناها كانت مناسبة للطلاب من حيث أنها يمكن أن تؤثر عليهم بشكل مباشر أو غير مباشر، وأن الأعمال التي يقومون بها، الآن أو في المستقبل، ستحدد المدى التي يمكن أن نصل إليه في معرفة أصول هذه المشكلات، إذا ما أردنا معالجتها. وقد انبثق شكل الكتاب عبر الجهود التي بذلناها للتعامل مع هذه القضايا التربوية ومع التفاعلات التي أثارتها تلك الجهود داخل الصفوف الدراسية.
ويمكن تلخيص توجه كتاب المشاكل العالمية كما يلي: لقد انبثقت عبر القرون الخمس أو الست الماضية ثقافة مميزة، أو طريقة في الحياة، يهيمن عليها إيمان بالتجارة والبضائع الاستهلاكية كونها مصدراً للرزق والعيش الكريم. وقد ازدهرت هذه الثقافة في أوروبا الغربية ووصلت مرحلة نضجها في الولايات المتحدة ثم انتشرت إلى معظم ما تبقى من أصقاع الأرض، موجدة في طريقها ما يطلق عليه علماء علم الإنسان وعلم الاجتماع والمؤرخون النظام العالمي. ويختلف الناس حول العوامل الجوهرية التي أثرت في تطور مثل هذا النظام وحول ما إذا كان ينبغي اعتباره نظاماً فريداً في التاريخ، رغم أن معظمهم يتفقون على بعض الأفكار الأساسية. ومن بين أهم هذه الأفكار تلك الفرضيات القائلة بأن القوة الدافعة وراء انتشار النظام العالمي المعاصر كانت الرأسمالية الصناعية ورأسمالية الشركات، وأن هذا الانتشار يرتبط بطريقة ما بالنتيجة التي وصل إليها العالم؛ وهي الانقسام إلى أمم غنية وأمم فقيرة أو إلى مناطق ثرية ومتطورة وصناعية ومناطق هامشية متخلفة وغير صناعية تعتمد في رزقها على غيرها.
إن من بين الأسئلة التي يعرضها هذا الكتاب أسئلة تتعلق بكيف ولماذا تطورت هذه الحضارة الرأسمالية، وما هي الأسباب التي أدّت ببعض المجتمعات إلى مقاومتها والاستمرار في مقاومة امتدادها وتطورها؟
إن الأجوبة على تلك الأسئلة مبنية على فرضيات معينة. أولاً إن المبدأ الأساسي في علم الإنسان هو أن العوامل الشخصية والاجتماعية والثقافية والتاريخية هي التي تحدد وجهة نظر أي إنسان تجاه ظاهرة معينة. وهذا الأمر يصح أيضاً بالنسبة لهؤلاء الذين يشاركون في حضارة الرأسمالية، والذين وضعوا رؤية لهذه الأحداث العالمية التي نشارك فيها. بالنتيجة، تنزع هذه الآراء والأفكار من جانب إلى آخر لأن تكون مرتكزة حول النظرة العرقية، أي أن الناس يصفون الأحداث ويقيمونها ويحكمون عليها فقط من خلال منظور ثقافي محدد.
ثانياً: نحن نفترض أن فهم الأحداث الدولية يتطلب منا إدراك أنه لا يوجد ثقافات أو مجتمعات معاصرة مستقلة عما يطلق عليه علماء الإنسان ((النظام العالمي)). وأن كل من هذه المجتمعات والثقافات تقع في مركز هذا النظام أو على أطرافه.
ثالثاً: نحن نفترض أن الأحداث والتحركات العالمية لا يمكن فهمها بشكل كاف دون أخذ الأحداث التي سبقتها بعين الاعتبار، إذ أن علينا تطوير منظور تاريخي، فنحن على سبيل المثال نعيش في حقبة من التاريخ الإنساني تحددها سلسلة من الأحداث التي بدأت منذ أربعمئة إلى خمسمئة عام، أطلق عليها في ذلك الحين اسماً فضفاضاً هو الثورة الصناعية. ولأن كل واحد منا عاش مرحلة معينة من ذلك التاريخ، فإننا نميل إلى التسليم جدلاً بأن العالم كان كما هو عليه اليوم.
المشاكل العالمية من منظور اقتصادي !!
بقلم _ زيد بن محمد الرماني
أضواء الوطن
- 22/07/2026
- 6635
شاركها
-
عبدالهادي الصويان
المدير الناجح هو الذي ينجح في تحقيق الأهداف، وينجح في التواص...
-
فاطمة المفرح
دامت حروفك سراجاً ينير طريق الكلمة الطيبة . فقد نظمت من الشع...
-
الاعلامي رشيد البلوي
كتبت فأجدت بورك في قلمك...
-
محمد الشيخلي
احسنتم دكتور زيد. ولفهم النظام الرأسمالي المعاصر ومشكلاته بص...
أخبار المجتمع
-
الشمري يدخل تاريخ التدريب في الحدود الشمالية بشهادة «البرو»منذ أسبوع واحد
-
رئيس بلدية النخيل “فاضل المطيري” يكسر الجمود البيروقراطيمنذ أسبوع واحد















تعليق واحد
احسنتم دكتور زيد. ولفهم النظام الرأسمالي المعاصر ومشكلاته بصورة اكبر يتطلب العودة إلى جذوره التاريخية، و معرفة كيف تشكل وانتشر وأثر في مختلف المجتمعات.