/
/
مشهد من واقع الحياة

مشهد من واقع الحياة

Author picture

منذ مدة ليست بالبعيدة خرجت لأحد الأسواق الشعبية وأنا أتجول فيها استوقفتني امرأة مسنة تبيع منتجات نسائية وبالرغم من عدم حاجتي لمنتجاتها إلا أنني وقفت أتأمل ما تبيع وأردت أن ادعمها بالشراء منها، فأعطيتها النقود دون أن أبتاع منها شيئًا وقلت لها: لا أحتاج للبضاعة ولكن أود أن أساعدك بهذا المبلغ، انهالت غاضبة ورفضت وبشدة، وردت بفظاظة قائلة: لا أحتاج للصدقة ولست بحاجة العطف فأنا ما زلت بقوتي وأعمل لأحصل على رزقي من عرق جبيني.
أسدل الستار على حوارنا بخجلي من نفسي وخوفي من أن أكون قد جرحت المرأة دون أن أدرك، واعتذرت منها بشدة ومضيت أجر أذيال الخيبة والخجل، ظننت أنني بفعلتي تلك أقف إلى جانبها وأساعدها على كسب رزقها، لم أكن أعلم أنني قد أهينها أو أنني أؤذي مشاعرها، ذهبت وأنا أتمتم أسفي على ما فعلت دون قصد.
لم يفارقني ذلك المشهد بالرغم أنه مر عليه وقتًا طويلاً، وينتابني الحزن كلما مرت الذكريات بي لكوني أسأت التصرف وظننت لوهلة أن البشر سواسية، وأن من يقبل التسول كمن لا يسأل، ولكني فهمت الدرس جيدًا وعرفت معنى التعفف برغم الحاجة، وأيقنت أن هناك أناس حاجتهم للمادة قوية ولكن حاجتهم لعزة النفس والكرامة أقوى، (لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا) لأنهم يسترون أنفسهم بثياب التعفف، ويحفظون على أنفسهم الكرامة.
من الطبيعي جدًا أنني تعجبت لأمر تلك المرأة ولكن لم أتعجب من ذلك الدرس فدروس الحياة تجعلنا نقف حائرين أمام غرابتها، فكثيرون هم من لا يجدون قوت يومهم وقد يبيتون ليلهم جوعى أو عطشى أو لا يجدون ما يغطي سقف غرفهم، وبالرغم من ذلك يتوسدون الحياء وتأخذهم الكرامة، ولا يطلبون الناس شيئًا، إنهم رفاق التعفف، ورفاق الستر.
هؤلاء البشر لا نراهم على السطح، بل لابد من أن نغرق في البحث عنهم، يُظهرون دائمًا الاكتفاء ولكنهم أشد ما يكونون في حاجة، فمن واجبنا وواجب المجتمع الاهتمام بأمرهم.
وصفهم الله عز وجل بقوله تعالى: (يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ أغنياء مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَٰهُمْ لَا يَسْـَٔلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافًا ۗ)، قد يكونوا فقراء ماديًا ولكنهم أغنياء الروح، أغنياء النفس، والحريص على أن يبذل لهم يد العون يجب أيضًا أن يحرص على أسلوب تقديم العون لهم، فمراعاة مشاعرهم أهم من تقديم المساعدة لهم، فمن يحاول أن يكسب الأجر فليتقدم نحوهم، وخاصة نحن على أبواب أفضل الشهور ، وهم بحاجة إلى مؤونة شهر رمضان وكسوة العيد فمن يرغب بالتجارة مع الله فليبذل الخير لهؤلاء الأسر المتعففة، وعلى المجتمع بأكمله التكاتف والتعاون في سبيل تقديم المعونة لهم، فالله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه.

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى