ليست الصحراء فراغا كما يظنها العابرون، بل ذاكرة حية، تحفظ الأصوات التي لم تجد من يسمعها، وتصون الحكايات التي كتبت بالصبر قبل أن تكتب بالحروف.
ومن بين رمالها، خرجت هذه الحكاية، لا بوصفها سيرة فرد فحسب، بل أثرا إنسانيا عميقا يروي كيف يمكن للمعاناة أن تتحول إلى رسالة.
في رنية، الواقعة شرق منطقة مكة المكرمة، نشأ طفل لم تمنحه الحياة بدايات سهلة.
كبر قبل أوانه، لأن الصحراء لا تنتظر اكتمال الأعمار، ولا تمنح الوقت لمن يتردد.
هناك عاش هو وأخوه الصغير تفاصيل الحياة البدوية القاسية، بين الثعابين والعقارب السامة، وعلى مقربة من الذئاب التي كانت تحيط بالمكان كما يحيط الخوف بالطفولة.
فقد هذا الطفل حنان أمه وهو صغير، بعد أن انفصل والده عنها بسبب خلافات أسرية، فوجد نفسه وحيدا في مواجهة مسؤوليات تفوق سنه.
تعلم الاعتماد على ذاته في إعداد الأكل والطعام والشراب، وأدرك مبكرا أن البقاء يحتاج إلى صبر أكثر مما يحتاج إلى قوة.
كان راعي غنم وإبل، يسير خلف القطيع مع شروق الشمس، ويعود مع الغروب مثقلا بالتعب والصمت، دون أن يعرف معنى اللهو أو الدلال.
مكث في الصحراء سنين طويلة، تعاقبت فيها المواسم، وتبدلت الأحوال، بينما ظل هو ثابتا، كأن الأرض تشكل وعيه ببطء.
تعلم من الرمل الثبات، ومن الليل التأمل، ومن الوحدة الإصغاء العميق للنفس.
ومع كل ذلك، لم تنطفئ داخله شرارة خفية، كانت تهمس له بأن هذه الحياة ليست نهاية الطريق.
وحين كبر، اتجه إلى المدارس الليلية في بلدته، يحمل إرهاق النهار وحلم الليل.
بدأ من أميا، لا يعرف القراءة ولا الكتابة، لكنه كان يملك إرادة نادرة.
تعلم الحروف كما يتعلم الراعي طرق النجاة، حرفا حرفا، وكلمة كلمة، حتى انفتح له باب المعرفة، وتعلم مختلف العلوم، لا طلبا للمكانة، بل بحثا عن المعنى.
لم يدرك الجميع آنذاك أن هذا الفتى الصامت سيخرج لهم كاتبا وأديبا، يحمل الصحراء في لغته، ويجعل من تجربته مادة للفهم لا للشكوى.
صار قلمه خادما للوطن، يكتب المقالات، ويعد البحوث، ويستحضر القيم، مستندا إلى تجربة صادقة تشكلت في القسوة ثم نضجت في الوعي.
خرج صوته من الصحراء هادئا، عميقا، ممتدا كحروف المد المتصل، حاملا دلالات التجربة والتنوين، لا يطلب تعاطفا ولا يبحث عن ضوء، بل يؤدي دورا أدبيا ووطنيا نبيلا.
وهكذا تحولت الحكاية من معاناة فردية إلى أثرٍ باق، ومن طفلٍ صامت إلى كاتبٍ مسؤول، ومن صحراء قاسية إلى ذاكرة تمنح الوطن صوتا صادقا














