حوار : محمد السبيعي
في زمنٍ تتسارع فيه وتيرة الحياة، وتضعف فيه صلة الإنسان بجذوره، يبرز بعض المهتمين بالتراث بوصفهم حماة للهوية وحرّاسًا لذاكرة الأوطان. ومن بين هؤلاء الباحث و المهتم بالتراث سعد بن عبدالله بن هميل آل قطنان، أحد أبناء محافظة رنية الذين نذروا أنفسهم لحفظ التاريخ الشفهي والموروث الشعبي. يؤمن آل قطنان بأن التراث ليس مجرد روايات تُحكى، بل هو امتداد للهوية، و أمانة يجب صونها للأجيال القادمة.
في هذا الحوار الموسّع، التقيناه لنتعرّف إلى رحلته مع التراث، و بداياته، و طموحاته، و جهوده في التوثيق، فكان هذا اللقاء الذي أبحر بنا في ذاكرة المكان والإنسان في رنية.
س: متى بدأ معك شغفك بالتراث في محافظة رنية، وكيف تشكّل هذا الاهتمام؟
ج: بدأ اهتمامي بالتراث منذ مرحلة الطفولة، حيث كنت أحرص على الجلوس مع كبار السن والاستماع إلى رواياتهم عن الزمن الماضي. كانت تلك المجالس بمثابة مكتبة حية تنقل القيم والعادات والتاريخ. ومع مرور الوقت، تولّد لديّ شعور بالمسؤولية تجاه حفظ هذا الكنز من الضياع، فبدأت رحلة التوثيق بالتدوين والتصوير، وجمع الوثائق والموروثات.
س: ما أولى خطواتك في عملية التوثيق؟
ج: بدأت بتوثيق الروايات الشفهية لكبار السن، فكنت أدوّن أقوالهم وأسجلها،تلا ذلك النزول الميداني إلى القرى القديمة والمباني الطينية حيث أرشفت الكثير من الصور
س: هل واجهت صعوبات خلال مسيرتك في التوثيق؟
ج: نعم، واجهت عدة صعوبات، من أبرزها ضعف الوعي لدى بعض أفراد المجتمع بأهمية التراث، واعتقاد البعض أن الماضي لا يُجدي في عصر التقنية. كما ضاعت كثير من المقتنيات بسبب الإهمال أو عدم التقدير، إلى جانب قلة الدعم الرسمي والإعلامي، مما جعل العمل تطوعيًا وشخصيًا.
س: ما أبرز الإنجازات التي تفتخر بها في مجال التراث؟
ج: أعتز بتوثيقي لمئات النقوش في جبال رنية لجميع الحيوانات والكتابات الثمودية والاسلامية والمدافن والمنشآت الحجرية والأحجار الآشولية وادوات الانسان القديم واكتشف المئات منها ووثقتها وابلغت هيئة التراث عنها وتم تسجيلها
لدى الهيئة
س: ما أهمية رنية تاريخيًا من وجهة نظرك كباحث؟
ج: رنية منطقة ذات عمق حضاري وتاريخي، كانت محطة مهمة على طرق القوافل، واشتهرت بزراعة النخيل، كما كانت مركزًا للعلم والدين، وموطنًا لعدد من القبائل العريقة. لذا فإن تراث رنية لا يمثل أهلها فقط، بل يعكس جزءًا من الذاكرة التاريخية لنجد والحجاز.
س: هل ترى أن الإعلام أدى دوره في إبراز تراث رنية؟
ج: الإعلام يمتلك القدرة على صناعة الوعي، لكنه لم يؤدِّ دوره كاملًا في إبراز تراث رنية. نحتاج إلى تغطيات موسّعة، وبرامج وثائقية، وتحقيقات ميدانية تعيد تقديم هذا التراث للأجيال. وأخص بالشكر المنصات الإعلامية التي بدأت تهتم بهذا الجانب، وفي مقدمتها مبادرتكم الصحفية التي أتاحت لي هذا اللقاء.
س: ما أبرز طموحاتك المستقبلية؟
ج: أطمح إلى إصدار كتاب شامل عن تراث رنية، يتضمن صورًا ووثائق ومقابلات ميدانية، ليكون مرجعًا للباحثين والطلاب
س: ما رسالتك للأجيال الجديدة حول أهمية التراث؟
ج: رسالتي أن التراث ليس ماضٍ يُروى، بل هو هوية تُبنى. على الأجيال الجديدة أن تدرك أن من لا ماضٍ له لا حاضر له ولا مستقبل، وأن تُسهم في حفظ إرث أجدادها من خلال التوثيق، وزيارة المواقع الأثرية، والمشاركة في الفعاليات الثقافية.
الخاتمة:
من خلال هذا الحوار، يتضح أن الباحث سعد بن عبدالله آل قطنان لا يكتفي بحفظ التراث، بل يسعى إلى إحيائه في وجدان الناس، رغم ما يواجهه من تحديات. لقد حمل على عاتقه مهمة صعبة في ظل غياب الدعم الرسمي، وسخّر جهده ووقته ليحفظ لذاكرة رنية حقها من النسيان.
إن تراث رنية، كما أكد آل قطنان، ليس مجرد ماضٍ يروى، بل هو مشروع ثقافي واجتماعي يجب أن تتكاتف فيه الجهود الرسمية والشعبية. وفي ختام هذا اللقاء، نتقدّم بخالص الشكر والتقدير للباحث سعد بن عبدالله بن هميل آل قطنان على ما يبذله من جهود مخلصة في سبيل حفظ تراث المحافظة، متمنين له مزيدًا من التوفيق والسداد














