/
/
البيت الخليجي

البيت الخليجي

Picture of بقلم / عائض الشعلاني

بقلم / عائض الشعلاني

قرابة أربعة عقود ونيف مضت على قيام مجلس التعاون الخليجي وما زلنا في كل أزمة نعود إلى النقطة ذاتها اجتماعات وبيانات واتصالات ومحاولات للمّ الشمل ثم ما إن تهدأ العاصفة حتى تعود كل دولة لتغني على ليلاها وتنسج علاقاتها وتحالفاتها وفق حساباتها ومصالحها الخاصة ولو تعارض بعضها مع ما اتفق عليه المجلس أو أضرّ بمصالح شقيقاتها .
السعودية اليوم ليست مجرد دولة خليجية بل أكبر من غيرها السعودية ثقل عربي وإسلامي وإقليمي ودولي وعالمي ومساحتها ومقدراتها واقتصادها وموقعها وتأثيرها تجعلها مركز الثقل الطبيعي في الجزيرة العربية وحتى الشرق الأوسط ومع ذلك استنزفت الرياض خلال عقود قدرًا كبيرًا من وقتها وجهدها في محاولة جمع البيت الخليجي واحتواء الخلافات وإعادة من يخرج عن المسار والتعامل مع مواقف متناقضة تأتي أحيانًا من داخل البيت نفسه ،، المشكلة ليست في أن تكون لكل دولة مصالحها ” هذا حقها “.
المشكلة أن تطلب الدولة مظلة مجلس التعاون ومزاياه وأمنه واقتصاده وعلاقاته ثم تريد في الوقت ذاته أن تكون سياستها الخارجية والأمنية مستقلة تمامًا وأن تتحرك منفردة في الملفات الكبرى ثم تعود عند إختناق الأزمات لتطلب من المجلس أن يكون صفًا واحدًا معها
إذا كان مجلس التعاون مجلسًا للتعاون الحقيقي فيجب أن تكون هناك حدود واضحة لما هو قرار خليجي موحد وعلى رأسه الأمن والسياسة الخارجية و القضايا المصيرية والاقتصاد الاستراتيجي .

انا هنا لا أطالب بأن تتنازل الدول عن خصوصيتها ولا عن أنظمتها ولا عن شؤونها الداخلية لكن عندما يتعلق الأمر بالأمن الإقليمي والتهديدات الخارجية والتحالفات الكبرى ومصالح دول المجلس مجتمعة فلا معنى لأن تكون هناك ستة أصوات متباعدة ثم نطالب العالم بأن يتعامل معها ككتلة واحدة ،، إما أن يكون هناك مجلس تعاون حقيقي أو فلتكن العلاقة بين الدول الخليج علاقة دول بدول ومن يريد أن يخرج من المسار الخليجي الموحد فليخرج بإرادته وليتحمل مسؤولية خياراته كاملة دون أن يُمنح في الوقت نفسه امتيازات منظومة لا يريد الالتزام باستحقاقاتها وهذا ليس عقابًا بل هو وضوح حيث لا يمكن أن تستمر السعودية في دفع ثمن التباينات دائماً ثم تعود في كل مرة لتشرح وتطلب وتسترضي وتجمع وتعيد بناء ما يُهدم بينما بعض العواصم ترى في هامش الحركة المنفردة مكسبًا لها لقد انتهى زمن الضبابية والمواقف الرمادية والتحفظ والحياد والتردد والإنتظار لإشارات من هنا وهناك .
العالم نفسه يتغير بسرعة والتحالفات لم تعد تنتظر كثيرًا حتى تتشكل وخير مثال على ذلك التحالف السعودي التركي الباكستاني الذي لم يمضِ على توقيعه سوى أيام ومع ذلك أصبح حديثًا عالميًا وبدأت تظهر حوله ترتيبات سياسية وعسكرية ومؤشرات على تعاون أوسع في الصناعات الدفاعية والتنسيق العسكري والإقتصاد ،، في المقابل مجلس التعاون الذي عمره يقارب أربعة عقود ونصف تقريباً ما زال السؤال قائمًا أمامه ماذا حقق من التكامل الاستراتيجي الذي كان يفترض أن يحققَه؟ لا أحد ينكر أنه حقق جوانب مهمة في التنسيق والعلاقات الخليجية الخليجية لكن الطموح الذي أنشئ من أجله كان أكبر بكثير ،، أين تقع المشكلة هل المشكلة في ضعف الإمكانات لديهم ،، وعدم وجود رغبة حقيقية أم في أن كل دولة تريد مجلسًا قويًا عندما تحتاج إليه ومجلسًا مرنًا عندما تتعارض قراراتها معه وفي وقت السعة والعوافي .
الكل يعلم القريب والبعيد أن السعودية لا تحتاج إلى أن تكون في خصومة مع أحد ولا تحتاج إلى إغلاق الأبواب والمنافذ ولا تحتاج إلى أن تعاقب أحدًا،، لكنها تحتاج فقط إلى إعادة تعريف العلاقة ماذا تعني بالنسبة لهم نعم ماذا تعني ،، من يريد أن يكون جزءًا من منظومة تقودها مصالح مشتركة فأبواب السعودية مفتوحة بل إن مصلحة الجميع أن يكون الخليج أكثر تماسكًا وقوة ،، ومن يريد سياسة خارجية مستقلة وتحالفات مستقلة فهذا حقه أيضًا ،، ولكن عليه أن يدرك أن الاستقلال السياسي يعني بالضرورة تحمل تبعات الاستقلال ماتجي بكرة توطوط عندنا لأجل الاستفادة من المظلة الجماعية عند الحاجة ثم تتجاوزها عند اختلاف المصالح عن رغباتك .
وهنا تحديدًا أرى أن التحالف السعودي التركي الباكستاني يمكن أن يكون رسالة بالغة الأهمية ليس لأنه بديل عن مجلس التعاون بالضرورة وإنما لأنه يقول شيئًا واضحًا للعالم والخليج خاصة
السعودية تستطيع بناء دوائر استراتيجية جديدة خارج الإطار الخليجي إذا تعذر بناء العمق داخل الإطار الخليجي وهذا ليس تهديدًا لأحد ،، بل هو ببساطة استخدام الدولة لقوتها ومصالحها بالشكل الذي تراه مناسبًا فالسعودية تستطيع أن تبني شراكات دفاعية وصناعات عسكرية ونقل تقنية واستثمارات وتعاونًا اقتصاديًا وأمنيًا مع دول كبرى وفاعلة بدل أن تبقى أسيرة محاولة إقناع الآخرين في كل مرة بأن يتفقوا معها .
وهنا يجب أن يتغير مفهوم “النفوذ السعودي” النفوذ ليس أن تبقى الرياض كل مرة تركض خلف المختلفين معها حتى تعيدهم إلى الصف النفوذ الحقيقي أن تصبح مصالح الآخرين مرتبطة باستقرار الرياض العظمى ونجاحها إلى درجة تجعلهم هم من يحرصون على بقاء العلاقة متينة معها ،، فالسعودية لا تحتاج إلى تابعين بل تحتاج إلى شركاء يعرفون قيمة الشراكة كذلك لا تحتاج إلى أن تفرض على جيرانها ماذا يفعلون داخل حدودهم لكنها تحتاج إلى أن تكون واضحة في أمر واحد إذا كانت هناك منظومة خليجية فالأمن والسياسة الخارجية والمصالح الاستراتيجية الكبرى لا يمكن أن تكون ستة اتجاهات متعارضة هل تريد كل دولة أن تكون مستقلة في كل شيء ثم تريد في الوقت ذاته أن تستفيد من قوة المجلس ومظلته ومكانة السعودية وثقلها فهذه معادلة لم تعد مقنعة لقد طال الوقت و استُنفذ الكثير من الجهد وتكررت الأزمات بما يكفي والعالم من حولنا لم يعد ينتظر أحدًا.
لذلك ربما آن الأوان لأن تضع الرياض المعادلة بكل بساطة ووضوح إما مجلس تعاون خليجي حقيقي متكامل في الأمن والسياسة الخارجية والاقتصاد الاستراتيجي مع احتفاظ كل دولة بخصوصيتها وشؤونها الداخلية وإما أن تختار كل دولة طريقها كدولة مستقلة وتتحمل مسؤولية خياراتها كاملة لا خصومة لا تهديد لا عقاب ولا أيضاً استرضاء فقط وضوح سياسي كوضوح الشمس في رابعة النهار .
فالتحفظ والحياد والضبابية قد تكون أدوات نافعة في زمن مضى لكنها في عالم تتشكل فيه التحالفات خلال أيام وتُعاد فيه صياغة موازين القوى بسرعة أصبحت في كثير من الأحيان طريقًا لإضاعة الوقت والسعودية بحجمها ومكانتها وثقلها لم يعد من مصلحتها أن تستنزف طاقتها في جمع الماء بيدها .
فمن أراد أن يكون في البيت الخليجي الواحد فليكن البيت قويًا متماسكًا ومن أراد أن يفتح لنفسه أبوابًا أخرى فله ذلك
لكن لا يمكن أن تبقى السعودية مطالبة بأن تحمل وتحمي الجميع ثم تسمع من بعضهم في الوقت نفسه أنهم لا يريدون السير معها .
فإما أن نبني بيتًا له جدار وسقف وباب واحد عند الخطر أو نعترف بأن لكل بيت طريقته في حياته وننهي هذه المنطقة الرمادية التي استنزفت من الجميع أكثر مما أفادتهم

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى