/
/
حين تعود النار إلى مركزها… قراءة في منطق الصراعات المرتدة

حين تعود النار إلى مركزها… قراءة في منطق الصراعات المرتدة

Picture of بقلم _ صلاح الطاهري

بقلم _ صلاح الطاهري

في العلاقات الدولية، لا توجد مفاجآت كاملة.
ما يبدو صدمةً في لحظةٍ ما، غالباً ما يكون نتيجة طبيعية لمسار طويل من السياسات المتراكمة.
ولهذا، ليس من المنطقي أن يقضي نظام سنوات وهو يخوض صراعات خارج حدوده، ويدعم مليشيات وجماعات مسلّحة، ويغذّي انقسامات داخل دولٍ أنهكتها الحروب، ثم يُراد للعالم أن يتعامل مع ما يحدث له لاحقاً وكأنه حدثٌ معزول أو غير قابل للتفسير.

لسنوات، انتهج النظام في إيران سياسة توسع نفوذ تتجاوز حدوده الجغرافية، مستنداً إلى أدوات متعددة… دعم حركات ومليشيات مسلّحة، بناء شبكات ولاء عابرة للدول، وتكريس حضور أمني وعسكري في ساحات إقليمية مضطربة.
هذه المقاربة لم تُنتج استقراراً في البيئات التي دخلتها، بل أسهمت – بصورة مباشرة أو غير مباشرة – في تعميق الانقسامات، وإضعاف مؤسسات الدولة الوطنية، وتحويل النزاعات المحلية إلى صراعات إقليمية مفتوحة.

المشكلة في منطق إدارة المعارك خارج الحدود أنه يقوم على افتراض ضمني بأن النار يمكن احتواؤها بعيداً عن الداخل، وأن تكلفة الصراع يمكن تصديرها إلى جغرافيا الآخرين.
غير أن التاريخ السياسي يعجّ بالأمثلة التي تثبت عكس ذلك.
فحين تتحول أراضي الغير إلى ساحات تصفية حسابات، وحين تُستثمر الانقسامات الداخلية لدول تعيش وضعاً هشاً، لتحقيق مكاسب نفوذ، فإن تداعيات هذا النهج لا تبقى محصورة في الخارج إلى الأبد.
إنها ترتد، أحياناً ببطء، وأحياناً بعنف، إلى مركز القرار ذاته.

هذه ليست شماتةً في شعب، ولا تبريراً لأي عنف، ولا اصطفافاً مع حرب ضد أخرى. إنها قراءة واقعية لقانونٍ سياسي شبه ثابت… من يوسّع رقعة الصراع، يوسّع دائرة المخاطر عليه.
ومن يجعل من التدخل أداةً استراتيجية دائمة، يضع نفسه في معادلة تصعيد مفتوحة لا يمكن التحكم بكل مخرجاتها.

في السياق الإقليمي، دفعت شعوبٌ كثيرة أثماناً باهظة نتيجة صراعات الوكالة.
دول تمزقت خرائطها الاجتماعية، واقتصادات انهارت، وأجيال نشأت في ظل عسكرة السياسة وتسييس الهوية.
وعندما يُعاد إنتاج هذا النموذج في أكثر من ساحة، يصبح الحديث عن الاستقرار عبر النفوذ أقرب إلى وهمٍ استراتيجي منه إلى رؤية قابلة للاستدامة.

اعلان

إن منطق الدولة الحديثة يقوم على احترام السيادة، وبناء علاقات متوازنة، وتغليب المصالح المشتركة على مشاريع الهيمنة.
أما تحويل الإقليم إلى مسرح نفوذٍ مفتوح، فذلك خيار يحمل في داخله بذور اضطرابه.
لأن الصراع، مهما بدا قابلاً للإدارة في مراحله الأولى، يظل قوةً ديناميكية يصعب احتواؤها حين تتراكم تناقضاته.

في نهاية المطاف، الشعوب هي التي تدفع الثمن.
سواء داخل إيران أو خارجها، فإن كلفة الصراعات الممتدة لا تقع على عاتق صانعي القرار وحدهم، بل تتحملها المجتمعات التي تجد نفسها رهينة خيارات لم تُستشر فيها.
ومن هنا، فإن الطريق إلى الاستقرار لا يمر عبر توسيع ساحات الاشتباك، بل عبر مراجعة عميقة لسياسات التدخل، والعودة إلى منطق الدولة الوطنية، واحترام حق الشعوب في تقرير مصيرها بعيداً عن صراعات المحاور.

إن النار حين تعود إلى مركزها، لا تكون مفاجأةً لمن قرأ المسار جيداً.
بل تكون النتيجة الطبيعية لسياسات اختارت التمدد على حساب التوازن، والتصعيد على حساب الشراكة. والتاريخ، في نهاية الأمر، لا يجامل أحداً.

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى