/
/
مقترح النظام الوطني الموحّد لقياس إنتاجية القوى العاملة الحكومية

مقترح النظام الوطني الموحّد لقياس إنتاجية القوى العاملة الحكومية

Picture of عبدالحميد سعيد علي المالكي

عبدالحميد سعيد علي المالكي

بصفتي متابعاً لمسيرة التحول الحكومي في المملكة العربية السعودية، والمستلهم من التجارب العالمية الرائدة في مجال إدارة الأداء الحكومي، اطرح بين يدي القارئ الكريم هذا المقترح ، متضمناً رؤية لتطوير منظومة قياس الإنتاجية في القطاع الحكومي، بما يتوافق مع مستهدفات رؤية المملكة 2030، وانسجاماً مع مبادئ الجودة والكفاءة والشفافية التي تتبناها القيادة الرشيدة – أيدها الله .

أولاً: المبررات الموضوعية للمقترح

انطلاقاً من متابعة واقع العمل الحكومي، ومقارنته بأفضل الممارسات الدولية، يمكن تحديد مجموعة من المبررات التي تدعو إلى تبني هذا النظام الوطني الموحّد:

1. تعدد آليات قياس الأداء بين الجهات الحكومية، مما يؤدي إلى تباين في التقييمات وغياب معيار عادل يمكن الاعتماد عليه في المقارنات الوطنية.
2. ضعف الربط بين الإنفاق على الموارد البشرية والأثر الفعلي المُحقّق، حيث تفتقر بعض الجهات إلى مؤشرات دقيقة تقيس العائد على الاستثمار البشري.
3. غياب العدالة الوظيفية الناتج عن اختلاف معايير التقييم بين جهة وأخرى، مما قد يؤثر سلباً على تحفيز الكفاءات واستقرارها.
4. الحاجة الملحّة إلى ترسيخ ثقافة الأداء المبني على البيانات، والانتقال من التقييمات الشخصية والانطباعية إلى تقييمات موضوعية قابلة للقياس والمقارنة.
5. مواكبة التطورات العالمية في مجال إدارة الأداء الحكومي، والتي أثبتت أن توحيد معايير القياس يُسهم في رفع جودة الخدمات وكفاءة الإنفاق.

ثانياً: أهداف المقترح

اعلان

يسعى هذا المقترح إلى تحقيق مجموعة من الأهداف الاستراتيجية والتشغيلية، يمكن إجمالها فيما يلي:

الأهداف الاستراتيجية:

· رفع كفاءة وفعالية الجهات الحكومية في تقديم خدماتها للمواطنين والمقيمين.
· تعزيز مبدأ الشفافية والعدالة في تقييم الأداء الوظيفي، وتكافؤ الفرص بين جميع الموظفين.
· ترشيد الإنفاق الحكومي عبر ضمان توجيه الميزانيات المخصصة للموارد البشرية نحو تحقيق أعلى عائد ممكن.
· دعم تحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030، لا سيما فيما يتعلق بتطوير القطاع الحكومي ورفع جودة الحياة.

الأهداف التشغيلية:

· بناء مؤشرات أداء موحّدة تُطبق على جميع الجهات الحكومية، بحيث يُحتسب مؤشر الإنتاجية بناءً على علاقة ثلاثية الأبعاد (الخدمات المُقدّمة، عدد القوى العاملة، إجمالي الرواتب وساعات العمل الفعلية).
· إنشاء قاعدة بيانات مركزية وطنية تُمكّن من المقارنة الموضوعية بين الجهات والموظفين.
· تطوير برامج تحفيزية تُكافئ الجهات والموظفين الأكثر إنتاجية، وأخرى داعمة لتحسين أداء الجهات الأقل تحقيقاً للمستهدفات.
· توفير تقارير دورية شفافة لمتخذي القرار والمواطنين حول مستوى إنتاجية القوى العاملة الحكومية.

ثالثاً: مكونات النظام المُقترَح

يرتكز المقترح على أربعة مكونات رئيسية متكاملة:

1. مؤشرات القياس الموحّدة

· مؤشر كفاءة الخدمة: يقارن بين كلفة الخدمة (رواتب + تشغيل) وعدد المستفيدين ومستوى رضاهم.
· مؤشر إنتاجية الساعة الفعلية للعمل: يُحتسب بقسمة المخرجات المُنجزة على ساعات العمل المُسجّلة، مع استبعاد الاجتماعات والأنشطة غير المُنتجة.
· مؤشر العائد على الاستثمار البشري (HROI) : يحلل نسبة تأثير الإنفاق على الرواتب في تحقيق مستهدفات الجهة الاستراتيجية.
· بطاقة القيمة المضافة للموظف: تُصدر بتحليل بيانات الأداء مقابل متوسط الرواتب، وتُستخدم كمرجع للترقيات وبرامج التطوير والمكافآت.

2. بطاقة تقييم الإشارات

أداة تحليلية لتقييم مؤشرات الإنتاجية قبل أي تصعيد أو قرار، تعتمد على ثلاثة أسئلة رئيسية:

· هل يكسر المؤشر افتراضاً نعمل به؟ (اختبار الجدة)
· هل تكرر المؤشر في ثلاثة مصادر مستقلة؟ (اختبار التكرار)
· هل يُغيّر المؤشر أي قرار عدنا نعمل به؟ (اختبار الأثر)

القاعدة: “نعم” على سؤالين من ثلاثة = يُصعد المؤشر لجلسة القرار.

3. الوكيل الذكي

نظام تحليلي معزز بالذكاء الاصطناعي، يُسهم في:

· جمع البيانات من مصادر متعددة بشكل آلي ومنتظم.
· تصنيف المؤشرات وتصفية الضجيج واستبعاد الصدى.
· كشف الأنماط عبر مصادر متباعدة في الزمان والمكان.
· اقتراح التحليلات مع بقاء التفسير والقرار النهائي بيد الإنسان، لأنه يمتلك السياق المؤسسي والمسؤولية المجتمعية.

4. جلسات المراجعة الشهرية

نموذج تشغيلي لإدامة النظام وضمان استمراريته، يتضمن:

· عرض الحصاد: يستعرض المحلل أقوى خمس مؤشرات من حصاد الوكيل.
· حكم البطاقة: يُمرّر الفريق كل مؤشر على الأسئلة الثلاثة.
· قرار التصعيد: يحسم القائد المؤشرات التي تصعد لطاولة القرار، ويحدّد مالكها وموعدها.
· توجيه الرادار: يُضبط نطاق الرصد بما يتوافق مع المستجدات.

رابعاً: خطة التنفيذ المقترحة

لضمان نجاح الانتقال إلى النظام الموحّد، يُقترح اعتماد خطة تنفيذية على ثلاث مراحل زمنية:

المرحلة الأولى – التأسيس (30-90 يوماً)

· تطبيق أداة التشخيص مع الفريق، وتحديد ثلاثة مجالات رصد.
· بناء قاعدة بيانات وظيفية محايدة.
· إعداد مؤشرات الأداء التجريبية بالتعاون مع المركز الوطني لقياس أداء الأجهزة العامة.
· تشغيل موجّه الرادار وتوزيع الأدوار الثلاثة.
· عقد أول جلسة مراجعة شهرية.

المرحلة الثانية – التجريب (6 أشهر)

· تشغيل النظام في 8 جهات حكومية رائدة، ذات خدمات جماهيرية كثيفة.
· اختبار دقة المؤشرات وحل المعوقات التقنية دون التأثير على سير العمل.
· جمع الملاحظات والتغذية الراجعة لتطوير النظام.
· عقد دورات تدريبية للكوادر البشرية في الجهات المشاركة.

المرحلة الثالثة – التعميم

· التوسع لتشمل باقي الجهات الحكومية على مستوى المملكة.
· ربط مخرجات النظام مع التقارير السنوية للجهات وبرامج الميزانية.
· إطلاق تقارير وطنية دورية حول إنتاجية القوى العاملة الحكومية.
· التقييم المستمر وتطوير المؤشرات بما يتوافق مع المتغيرات والمستجدات.

خامساً: التوصيات والمقترحات الإضافية

بناءً على ما تقدم، أوصي بما يلي:

1. تبني المقترح كمشروع وطني طموح يُسهم في نقلة نوعية في إدارة الأداء الحكومي، بما يعزز مكانة المملكة كدولة رائدة في تبني أفضل ممارسات الحوكمة.
2. تشكيل فريق عمل وطني برئاسة وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، وعضوية المركز الوطني لقياس أداء الأجهزة العامة، ووزارة المالية، وعدد من الخبراء المختصين، لوضع الإطار التنفيذي والدليل الإجرائي للمقترح.
3. إشراك القطاع الخاص والخبراء الدوليين في مراحل التصميم والتطوير، للاستفادة من التجارب العالمية وتجنب الأخطاء الشائعة في مشاريع التحول المماثلة.
4. اعتماد مؤشر “من المؤشر إلى القرار” كمؤشر رئيسي لقياس نجاح النظام، بحيث يتم قياس نسبة المؤشرات التي تتحول فعلياً إلى قرارات تحسينية وتُترجم إلى مبادرات ملموسة.
5. ضمان شفافية النظام عبر نشر التقارير الدورية لمتخذي القرار والمواطنين، بما يعزز الثقة في الأداء الحكومي ويشجع على المشاركة المجتمعية في تطويره.
6. التوسع المستقبلي ليشمل النظام العاملين في الشركات المتعاقدة مع الحكومة لتقديم خدمات نيابة عنها، تحقيقاً لمبدأ “المسؤولية الممتدة” لجودة الخدمات المقدمة للمواطنين.

خاتمة

إن تبني هذا النظام الوطني الموحّد لقياس إنتاجية القوى العاملة الحكومية، سيمثل – بإذن الله – نقلة نوعية في منظومة الأداء الحكومي، وترسيخاً لمبادئ الشفافية والعدالة والكفاءة، وخطوة مهمة نحو تحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030 في تطوير القطاع الحكومي ورفع جودة الحياة للمواطنين والمقيمين.

نأمل أن يحظى هذا المقترح باهتمام المسؤولين، وأن يُسهم في دفع عجلة التطوير نحو آفاق أوسع، بما يُحقق طموحات ولاة الأمر – حفظهم الله – وتطلعات الوطن والمواطن.والله ولي التوفيق،،،

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى