معَ الانتشارِ المتسارعِ لمنصاتِ التواصلِ الاجتماعيِّ في الآونةِ الأخيرة، أصبح المحتوى الرقميُّ جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية، فهو النافذة التي يطلُّ منها شبابُنا على العالم، ومرآةٌ تعكس لهم الواقعَ وتشكل فيهم الأفكارَ والمفاهيم. غيرَ أنَّ هذا الفضاءَ الرحب، رغم مزاياه الجمة، شهدَ ظهورَ محتوى ساذجٍ وأحيانًا مضلّلٍ، يحملُ في طياته أفكارًا وأشكالًا بعيدةً عن قيمِ الأدبِ والأخلاقِ، تؤثرُ على عقول الشباب والشابات، وربما تشوش وعيهم وتوجهاتهم، فتفقدهم القدرةَ على التمييز بين الصواب والخطأ، بين المفيد والضار.
ومن هنا تتجلّى الحاجةُ الملحّة لتفعيل دور الهيئة العامة لتنظيم الإعلام في المملكة العربية السعودية، ليس فقط كجهة تنظيمية، بل كحارسٍ للأفكار، وكحاميٍ لعقول شبابنا من التلوث الفكري البصري. إن وضع آليات واضحة وصارمة لتقييم المحتوى الإعلامي والإعلاني، وفحصه بدقة قبل منحه صفة “موثوق”، يمثل حجرَ الأساس في حماية الجمهور من الانزلاق وراء محتوى ساذج أو ملوّث. ويجب أن تشمل هذه الإجراءات فترةَ تحرٍّ ومتابعة لمدة ستة أشهر على الأقل، للتأكد من أن المحتوى يلتزم بالمعايير الأخلاقية والقيمية، وأنه يقدّم رسالةً بناءةً ومفيدة.
كما ينبغي تحديدُ معاييرِ منح الرخصة، بحيث يشترطُ أن يكون حاملُها سعوديّ الجنسية ومقيمًا داخل المملكة، مع تحديد صلاحية الرخصة وتصنيف واضح للمسار الإعلاني لكل محتوى، بما يضمن وضوح المسؤوليات وموثوقية المحتوى المنشور. فالتنظيم الواضح لا يحمي فقط المتلقي، بل يحمي أيضًا الجهة الإعلامية نفسها من الأخطاء والانحرافات.
ولا يمكن أن يتمّ هذا دون تعاون المجتمع، إذ إن دور الجمهور لا يقل أهمية عن دور الهيئة. فالإبلاغ عن أي محتوى مخالف للقانون أو مؤذي للوعي هو مشاركة فعّالة في بناء مجتمعٍ واعٍ، مجتمعٍ يحمي شبابه من التلوث الفكري البصري، ويكفل أن تكون منصات التواصل منبرًا للمعرفة والثقافة والإبداع، لا وسيلةً للسطحية والانحراف.
إن صحة المجتمع، سواء كانت عقليةً أو جسديةً، تأتي في المقام الأول. فالعين البصرية للفرد مرآةٌ لتفكيره، والمحتوى الرقمي الذي يلوث هذه المرآة قد يكون أخطر من أي تهديد جسدي مباشر. ومن هذا المنطلق، ينبغي أن يكون تنظيم المحتوى الرقمي جزءًا من واجبنا الوطني، لضمان بيئةٍ إعلاميةٍ آمنة، تعكسُ القيمَ الثقافية والاجتماعية للمجتمع السعودي، وتغرس في الشباب وعيًا أخلاقيًا واجتماعيًا راسخًا، يمكنهم من مواجهة التحديات الرقمية بعقل سليم ونظرة متزنة.
وفي الختام، لا يقتصرُ الهدف على حماية المتلقي فحسب، بل يمتد لبناء جيلٍ واعٍ، قادرٍ على التمييز بين المفيد والضار، بين البناء والهدم، بين الحقيقة والزيف. جيل يحمل في فكره وعينه وذهنه ما يعكس أصالةَ المجتمع السعودي وسموه، جيل يبني مستقبلًا مشرقًا على أسس الأخلاق والقيم والثقافة، مستقبلًا يكون فيه المحتوى الرقمي أداةً للنهوض، لا وسيلةً للتشويش والانحراف














