/
/
محمد بن سلمان وفرنسا.. دبلوماسية التوازن في لحظة مفصلية من تاريخ الشرق الأوسط..

محمد بن سلمان وفرنسا.. دبلوماسية التوازن في لحظة مفصلية من تاريخ الشرق الأوسط..

Picture of الدكتور المستشار / تركي بن محمد العبدالله الداود

الدكتور المستشار / تركي بن محمد العبدالله الداود

في السياسة الكبرى، لا تُقاس أهمية الزيارات واللقاءات بين القادة بمراسم الاستقبال أو بعدد الاتفاقيات التي تُوقَّع فحسب، بل تُقاس بالتوقيت الاستثنائي الذي تأتي فيه، وبحجم الملفات الثقيلة التي توضع على الطاولة، وبقدرة كل طرف على تحويل ثقله السياسي والاقتصادي إلى تأثير فعلي في مسار الأحداث. ومن هذه الزاوية تحديداً، تكتسب العلاقة المتنامية بين المملكة العربية السعودية وفرنسا، واللقاءات المستمرة بين صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أهمية استثنائية في مرحلة يشهد فيها الشرق الأوسط تحولات شديدة التعقيد.
فالمنطقة لم تعد أمام أزمة منفردة يمكن احتواؤها بأدوات الدبلوماسية التقليدية السطحية، بل أصبحت أمام مجموعة مترابطة ومعقدة من الملفات المصيرية: القضية الفلسطينية والحرب في غزة، ومستقبل حل الدولتين، وأمن لبنان واستقراره، والتحولات الجيوسياسية العميق في سوريا، والتوترات الإقليمية المتصاعدة، وأمن البحر الأحمر والممرات التجارية الحيوية، فضلاً عن انعكاسات الصراعات الدولية على أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي. ولهذا فإن الحوار السعودي الفرنسي اليوم يتجاوز حدود العلاقات الثنائية التقليدية ليصبح ركيزة محورية في البحث عن صياغة توازنات أكثر استقراراً وصلابة في المنطقة.
وقد أظهرت المواقف الرسمية للبلدين أن الرياض وباريس تتقاطعان في عدد من الملفات الأساسية، وفي مقدمتها ضرورة خفض التصعيد ومنع اتساع دائرة الصراع، والدفع نحو مسار سياسي حقيقي للقضية الفلسطينية يستند إلى حل الدولتين. ففي ديسمبر 2024، أكد الجانبان خلال زيارة الرئيس ماكرون إلى المملكة أولوية وقف إطلاق النار في غزة، وحماية المدنيين وإيصال المساعدات الإنسانية، والعمل من أجل حل سياسي قائم على الدولتين، إلى جانب مواصلة الجهود الدبلوماسية لتثبيت التهدئة بين إسرائيل ولبنان. ولم يقتصر الأمر على ذلك؛ ففي مارس 2025، أعلن الرئيس ماكرون عقب اتصال هاتفي مع الأمير محمد بن سلمان أن البلدين سيعملان معاً على مسار دولي يستهدف إعادة إطلاق الأفق السياسي لحل الدولتين، إلى جانب بحث مستقبل غزة وسوريا ولبنان.
وهنا تبرز بوضوح حنكة الأمير محمد بن سلمان في إدارة السياسة الخارجية السعودية خلال مرحلة تتسم بسرعة التحولات وتضارب المصالح الدولية. فالسياسة السعودية في عهده لم تُبنَ البتة على الارتهان لمحور دولي واحد، بل اتجهت بصورة متزايدة نحو تنويع الشراكات والمحافظة على مساحة واسعة ومرنة للحركة السياسية. المملكة تحافظ على شراكاتها التاريخية الاستراتيجية مع الولايات المتحدة والغرب، وفي الوقت نفسه تطور علاقاتها الوثيقة مع الصين والقوى الآسيوية، وتحتفظ بقنوات سياسية فاعلة تمكّنها من الحوار المباشر مع أطراف تختلف فيما بينها على ملفات عديدة. وهذه القدرة الفذة على التواصل مع القوى المتنافسة لا تمثل مجرد تنويع شكلي للعلاقات، وإنما تمنح الرياض قيمة سياسية واستراتيجية إضافية: أن تكون طرفاً قادراً على التحدث مع أكثر من جهة، وأن تتحرك وفق مصالحها الوطنية العليا مع الاحتفاظ بكامل قدرتها على المساهمة الفاعلة في الوساطات وخفض التصعيد.
ومن هنا أيضاً تبرز الأهمية الاستراتيجية لفرنسا؛ فهي دولة دائمة العضوية في مجلس الأمن، وقوة نووية كبرى، وفاعل سياسي وعسكري أوروبي رئيسي، ولديها حضور تاريخي ومصالح مباشرة وعميقة في الشرق الأوسط، ولا سيما في لبنان وشرق المتوسط. وفي المقابل، تمثل المملكة اليوم ثقلاً عربياً وإسلامياً واقتصادياً لا يمكن تجاوزه بأي حال عند البحث عن ترتيبات إقليمية طويلة الأمد. وبذلك فإن اللقاء بين الرياض وباريس هو، في أحد أبعاده الكبرى، لقاء بين ثقلين مختلفين ومتكاملين: قوة عربية وإسلامية واقتصادية صاعدة من قلب المنطقة، وقوة أوروبية تمتلك أدوات دبلوماسية رفيعة وموقعاً مؤثراً داخل الاتحاد الأوروبي ومجلس الأمن.
وتتضح قيمة هذا التقارب بصورة ساطعة في الملف الفلسطيني؛ فقد تحول الموقف السعودي خلال الأزمة إلى عنصر أساسي لا غنى عنه في أي تصور سياسي لمستقبل المنطقة. أما لبنان، فيمثل ساحة أخرى تتجلى فيها قيمة التنسيق السعودي الفرنسي العميق؛ ففرنسا تملك علاقات تاريخية عريقة مع لبنان، فيما تمثل المملكة الثقل العربي والسياسي والاقتصادي الأهم بالنسبة للدولة اللبنانية. ولذلك فإن التقاء الرؤية السعودية والفرنسية حول دعم مؤسسات الدولة، وتحقيق الإصلاح والاستقرار، يشكل عاملاً حاسماً في إعادة لبنان إلى محيطه العربي وتعزيز سلطة الدولة ومؤسساتها، بالتوازي مع تثبيت التهدئة على الحدود الجنوبية.
لكن قراءة تحركات ولي العهد من زاوية الأزمات الإقليمية وحدها قد تحجب جانباً جوهرياً ومصيرياً من رؤيته السياسية الشاملة. فالأمير محمد بن سلمان يتعامل مع السياسة الخارجية باعتبارها امتداداً عضوياً لمشروع التحول الوطني الكبير الذي تقوده “رؤية السعودية 2030”. ومن هنا يرتبط الأمن الوثيق بالاقتصاد، والاستقرار العجيب بجذب الاستثمارات النوعية، والعلاقات الدولية بالتقنية المتقدمة، والطاقة النظيفة، والصناعة، والثقافة، والذكاء الاصطناعي. ولهذا لم تعد العلاقة مع فرنسا محصورة في الأطر السياسية والأمنية التقليدية؛ ففي شراكة ديسمبر 2024 الاستراتيجية أُعلن عن تعاون شامل يشمل الدفاع، والتحول في قطاع الطاقة، والثقافة، والتنقل، وتنظيم الفعاليات الكبرى، إلى جانب انعقاد منتدى اقتصادي ضم أكثر من مئتي شركة فرنسية وسعودية.
وهذه النقطة تمثل أحد أهم مفاتيح فهم حنكة ولي العهد الاستراتيجية: إدارة الأزمات الإقليمية المشتعلة من دون السماح لها بأن تبتلع مشروع التنمية السعودي الطموح. ففي منطقة اعتادت لعقود أن تستنزف الصراعات موارد دولها وشعوبها، تسعى القيادة السعودية إلى معادلة بالغة الصعوبة والتعقيد: حماية الأمن الوطني، والحفاظ على ثقل المملكة العربي والإسلامي، والمساهمة الفاعلة في احتواء الأزمات المحيطة، وفي ذات الوقت الاستمرار بلا هوادة في بناء اقتصاد جديد كلياً، وجذب رؤوس الأموال والتقنيات العالمية، وتحويل المملكة إلى مركز عالمي رئيسي للاستثمار، والسياحة، واللوجستيات، والطاقة، والتقنية. إنها دبلوماسية لا تبحث أبداً عن الحضور البروتوكولي العابر، بل تسعى لتحويل المكانة السياسية الراسخة إلى مكاسب استراتيجية طويلة الأجل.
وكما تشير أدبيات النخب السياسية ومراكز التفكير الاستراتيجي البارزة في باريس (كالمعهد الفرنسي للعلاقات الدولية)، فإن المقاربة الفرنسية (الديغولية الجديدة) تنظر إلى المملكة باعتبارها نموذجاً فريداً للدولة التي ترفض منطق الاستقطاب الأحادي، وتحقق “الاستقلالية الاستراتيجية” الفعلية عبر بناء عالم متعدد الأقطاب يحترم سيادة الدول. كما أن الشراكة مع فرنسا تحمل رسالة أبعد إلى المجتمع الدولي مفادها أن الرياض لم تعد مجرد طرف تتم استشارته في قضايا الطاقة وحدها، بل أصبحت شريكاً رئيسياً تسعى القوى الكبرى إلى التنسيق معه في ملفات كبرى تتجاوز حدود الشرق الأوسط، وهو ما أكد عليه الرئيس ماكرون بوصف المملكة “نقطة دخول إلى المنطقة” ورغبته في توسيع الشراكة الاقتصادية الشاملة في إطار رؤية 2030.
وفي هذا السياق، تبرز بوضوح فرادة حنكة الأمير محمد بن سلمان في الجمع بين أمرين يصعب عادةً الجمع بينهما: الثبات الراسخ على المصالح الأساسية العليا للمملكة، والمرونة الفائقة في اختيار الأدوات والشركاء المتعددين. فلا تعني الشراكة الاستراتيجية مع فرنسا الابتعاد عن أي شركاء آخرين، كما لا يعني الحوار المفتوح مع القوى الشرقية التخلي عن العلاقات الغربية المتينة؛ إنها سياسة حكيمة تقوم على تعدد الخيارات، وجعل المصلحة الوطنية السعودية هي البوصلة الدقيقة التي توجّه اتجاه الحركة وتمنح المملكة مساحة غير مسبوقة للمناورة في عالم يتجه بسرعة نحو تعدد مراكز القوة.
إن الشرق الأوسط الذي يتشكل اليوم لا يمت بصلة لذلك الشرق الأوسط الذي كان قائماً قبل عقد من الزمن؛ فالتحالفات تتبدل، وموازين القوى تتحرك، والقوى الدولية تعيد حساباتها الكبرى، بينما تبحث دول المنطقة عن نماذج جديدة ومبتكرة للأمن والتنمية والعلاقات الدولية. وفي مثل هذه اللحظات التاريخية الفارقة، لا تكفي القوة الاقتصادية وحدها، ولا تكفي الشعارات السياسية البراقة، بل المطلوب قيادة استثنائية قادرة على قراءة التحولات الكبرى قبل اكتمالها، وبناء شبكة واسعة ومعقدة من العلاقات التي تكفل للدولة حماية مصالحها العليا حين تتبدل الظروف وتتغير المعادلات.
ولا يقتصر الأفق البعيد لهذه الشراكة على المدى القريب فحسب، بل يمتد ليشمل هندسة أجيال المستقبل؛ حيث تدرك الرياض وباريس أن صياغة الشرق الأوسط الجديد تتطلب الاستثمار في العقول والابتكار المشترك، وهو ما تجلى في رهان البلدين على اقتصاد المعرفة، والذكاء الاصطناعي، والتبادل العلمي والتقني. وبهذا، تتجاوز الشراكة السعودية الفرنسية حدود المصالح الجيوسياسية المتبادلة لتصبح نموذجاً حياً للدبلوماسية الإنمائية التي تدمج استقرار الأمن الإقليمي بازدهار البشرية، مؤكدة أن رؤية المملكة لا تبني وطناً فحسب، بل تعيد صياغة قواعد الشراكة الدولية على أسس من الندية، والاحترام المتبادل، وصناعة المستقبل.
ومن هذه الزاوية تتضح الأهمية الاستراتيجية القصوى لتلك العلاقة التي نسجها الأمير محمد بن سلمان بمهارة مع فرنسا وغيرها من القوى الدولية الكبرى؛ إنها جزء لا يتجزأ من استراتيجية أوسع وأشمل غايتها الحتمية أن تكون المملكة حاضرة بقوة على الطاولة التي تُناقش حولها ترتيبات المنطقة ومستقبلها، لا موضوعاً مطروحاً على تلك الطاولة. ولعل هذا هو الجوهر الحقيقي للحنكة السياسية لولي العهد: أن قوة المملكة في عهدها الجديد لا تُقاس فقط بما تكتنزه من موارد طبيعية هائلة، بل بقدرتها العبقرية على تحويل تلك الموارد، ومكانتها الدينية والجغرافية والاقتصادية الاستثنائية، وشبكة علاقاتها الدولية الواسعة، إلى نفوذ سياسي حقيقي يخدم أمنها وتنميتها ومصالحها العليا.
وفي لحظة إقليمية بالغة التشابك تتقاطع فيها نيران الحرب بجهود الدبلوماسية، وأسواق الطاقة بحسابات الأمن القومي، ومشاريع الاستثمار بالاستراتيجيات السياسية، تبدو الشراكة السعودية الفرنسية أعمق بكثير من مجرد علاقة ثنائية تقليدية عابرة؛ إنها إحدى الأدوات الجوهرية التي تتوكأ عليها الرياض لهندسة موقعها الراسخ في النظام الإقليمي والدولي الجديد. ومن هنا فإن لقاءات الأمير محمد بن سلمان المتواصلة مع القيادة الفرنسية لا ينبغي بحال أن تُقرأ كمجرد أحداث بروتوكولية موسمية، بل كحلقات أساسية مترابطة في استراتيجية سعودية أشمل وأعمق؛ استراتيجية عنوانها الساطع: استقلال القرار الوطني، وتوازن العلاقات الخارجية، والواقعية السياسية المحنكة في إدارة الأزمات، والطموح بلا حدود في بناء مستقبل مشرق ومستدام.
وفي زمن الاضطراب العالمي المتسارع، ربما تكون أعظم مهارات القيادة التاريخية ألا ينجرف القائد مع تيارات الأحداث المتقلبة، بل أن يعرف بدقة كيف تحول اضطرابات العالم إلى فرصة ذهبية لتعزيز مكانة الدولة ورفعتها. وهذه، على وجه التحديد، إحدى أبرز السمات الملهمة التي جعلت دبلوماسية الأمير محمد بن سلمان محط إبهار واهتمام كبار القوى الدولية، وجعلت المملكة العربية السعودية رقماً صعباً ومرتكزاً استراتيجياً لا يمكن تجاوزه بأي حال في معادلات الشرق الأوسط والعالم الجديد.

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى