/
/
جوهر السياسة الرشيدة

جوهر السياسة الرشيدة

Picture of بقلم: عيد راشد الرفاعي

بقلم: عيد راشد الرفاعي

 

منذ تأسيس الدولة السعودية الأولى قبل ثلاثة قرون، والمملكة العربية السعودية تحمل إرثًا من الاستقلال والاعتزاز بالسيادة، والإيمان بأن حماية الأرض مسؤولية وطنية قبل أن تكون تحالفًا سياسيًا أو اتفاقًا عسكريًا. وعلى امتداد تاريخها، أثبتت المملكة أن قرارها ينبع من مصالحها الوطنية، وأن أمنها مسؤولية تتولاها بإرادتها، مستندة إلى قوة دولتها، وتماسك شعبها، وحكمة قيادتها، وقدرات قواتها المسلحة.

ثلاثة قرون من التاريخ ليست مجرد سنوات تُحسب، بل تجربة ممتدة في بناء الدولة، ومواجهة التحديات، والمحافظة على الهوية والاستقلال. والمملكة، بما تملكه من ثقل سياسي واقتصادي ومكانة إقليمية ودولية، لا تنطلق في سياساتها من البحث عن الحماية، بل من بناء القوة، وتعزيز الشراكات، وحماية مصالحها العليا.

المملكة تحمي مصالحها.. وتدرك قيمة عمقها الاستراتيجي

لم تكن سياسة المملكة العربية السعودية يومًا قائمة على حماية حدودها وحدها بمعزل عن محيطها، بل أدركت أن استقرار الدول المجاورة يمثل جزءًا مهمًا من أمنها الاستراتيجي. فالدولة الحكيمة لا تنتظر وصول الخطر إلى حدودها حتى تتحرك، وإنما تعمل على معالجة أسباب الأزمات، ودعم الاستقرار، وتعزيز فرص السلام، والحفاظ على أمن المنطقة.

اعلان

إن أمن الخليج العربي، واستقرار اليمن، وسلامة الملاحة في البحر الأحمر، وأمن الممرات البحرية، كلها ملفات ترتبط بالمصالح السعودية ارتباطًا وثيقًا. ولذلك، فإن تحرك المملكة لحماية أمن المنطقة لا يعني عجزها عن حماية نفسها، بل يعكس فهمًا استراتيجيًا لطبيعة الأخطار التي لا تتوقف عند حدود دولة بعينها.

وهنا يجب أن نفرّق بين التعاون الدفاعي مع الدول الصديقة والحليفة، وهو أمر تمارسه دول العالم لحماية مصالحها، وبين الاتكال على الآخرين في الدفاع عن السيادة الوطنية. فالمملكة تمتلك مؤسساتها الدفاعية وقدراتها العسكرية، وتتخذ قراراتها وفق ما تراه محققًا لأمنها ومصالحها.

من يواجه الأزمات ليس بالضرورة من يتحدث عنها أكثر

في كل أزمة إقليمية، تظهر أصوات تحاول تصوير المشهد بما يخدم مصالحها، وتجد بعض الأطراف فرصة لركوب موجة الأحداث، وتقديم نفسها وكأنها صاحبة الفضل في حماية المنطقة أو منع الأخطار عنها.

لكن السياسة لا تُقاس بكثرة التصريحات، ولا بعدد البيانات، ولا بمن يرفع صوته أكثر من غيره؛ بل تُقاس بالنتائج، وبالقدرة على حماية المصالح الوطنية، وإدارة الأزمات، وتجنب القرارات المتسرعة التي قد تجر المنطقة إلى صراعات لا تحمد عقباها.

والمملكة العربية السعودية ليست بحاجة إلى المبالغة في وصف قوتها، ولا إلى الدخول في سجالات إعلامية لإثبات مكانتها. فثقلها الإقليمي والدولي، ومكانتها الاقتصادية، ودورها في أسواق الطاقة، وتأثيرها في ملفات المنطقة، كلها حقائق معروفة.

كما أن المملكة تدرك أن القوة الحقيقية لا تكمن في استخدام القوة عند كل خلاف، وإنما في امتلاك القدرة على الردع، مع إبقاء أبواب الحلول السياسية والدبلوماسية مفتوحة.

البحر الأحمر وباب المندب.. أمن المنطقة مسؤولية مشتركة

إن أمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب لا يتعلقان بدولة واحدة، بل يمثلان شريانًا حيويًا للتجارة العالمية، وترتبط بهما مصالح اقتصادية واستراتيجية لدول عديدة.

وتتضح أهمية هذه الممرات بصورة خاصة بالنسبة إلى جمهورية مصر العربية، لما يمثله البحر الأحمر وقناة السويس من أهمية كبيرة في حركة التجارة الدولية وإيرادات الدولة المصرية. وأي اضطراب طويل الأمد في الملاحة البحرية قد ينعكس على حركة السفن، وتكاليف النقل، وإيرادات القناة، وسلاسل الإمداد العالمية.

أما المملكة العربية السعودية، فلديها مقومات اقتصادية ومنافذ بحرية متعددة، وقدرات لوجستية وموانئ على الخليج العربي والبحر الأحمر. وهذا التنوع يمنحها خيارات مهمة في إدارة حركة تجارتها وإمداداتها، لكنه لا يعني أنها بمنأى عن آثار الاضطرابات البحرية؛ فاقتصادات المنطقة والعالم مترابطة، وأي أزمة واسعة قد تترك آثارها بدرجات متفاوتة على الجميع.

ومن هنا، فإن من الخطأ اختزال أمن البحر الأحمر في مصلحة دولة واحدة، أو تصوير الأزمات البحرية وكأنها لا تعني إلا طرفًا دون آخر. فاستقرار الملاحة مصلحة إقليمية ودولية، والتعاون بين الدول المعنية ضرورة لحمايته.

طول النفس.. حين تكون الحكمة أقوى من الاندفاع

تتميز السياسة السعودية بمنح الحلول السياسية والدبلوماسية فرصتها، وبالحرص على تجنب المغامرات غير المحسوبة. فالدول الكبرى لا تتخذ قراراتها تحت ضغط الاستفزاز، ولا تجعل الانفعال بديلًا عن الحسابات الاستراتيجية.

وطول النفس في السياسة ليس ضعفًا، والصبر ليس عجزًا، وضبط النفس ليس تراجعًا عن الحقوق. بل قد يكون ذلك كله تعبيرًا عن الثقة بالنفس، والقدرة على اختيار التوقيت المناسب، وتقدير كلفة المواجهة ونتائجها قبل اتخاذ القرار.

لكن الحكمة لا تعني غياب الحزم، والدبلوماسية لا تعني التفريط في السيادة. فلكل دولة خطوط لا تقبل تجاوزها، ومن حق المملكة العربية السعودية أن تحمي أراضيها ومواطنيها ومنشآتها ومصالحها الحيوية بكل الوسائل المشروعة التي تكفلها القوانين والمواثيق الدولية.

إن قوة الدولة لا تُقاس بحدة تهديداتها، بل بقدرتها على حماية مصالحها، والاستعداد لمختلف الاحتمالات، واتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب. والمملكة تدرك أن الحفاظ على السلام هدف استراتيجي، لكنه لا يعني التهاون مع أي تهديد يمس أمنها الوطني أو سيادتها.

شعب يعيش حياته.. ودولة تدير مسؤولياتها

من أبرز مظاهر الاستقرار أن يمارس الناس حياتهم الطبيعية، وأن تستمر مناسباتهم الاجتماعية وأفراحهم وأعمالهم، وأن يشعر المواطن بالأمان في وطنه.

وفي المملكة العربية السعودية، تمثل الأفراح والمناسبات الاجتماعية، وحركة الأسواق، واستمرار الأعمال والخدمات، صورًا من صور الحياة التي يحرص المجتمع على استمرارها. ولا يعني ذلك أن المملكة لا تواجه تحديات أو أنها بمنأى عن آثار الأزمات الإقليمية والعالمية، بل يعكس أهمية المحافظة على الاستقرار الداخلي، وتعزيز قدرة الدولة على التعامل مع المتغيرات.

فالدولة الناجحة هي التي لا تسمح للأزمات الخارجية بأن تتحول إلى مصدر قلق دائم لمواطنيها، وتسعى إلى حماية الاقتصاد، وضمان استمرارية الخدمات، والحفاظ على أمن المجتمع، مع الاستعداد لمختلف الاحتمالات.

وهذه مسؤولية لا تتحقق بالشعارات، بل بالتخطيط، والعمل المؤسسي، والاستثمار في القدرات الوطنية، وتنويع مصادر الدخل، وتعزيز الأمن الغذائي واللوجستي، ورفع جاهزية المؤسسات المعنية.

المملكة لا تبحث عن الحرب.. لكنها لا تفرّط في أمنها

إن المملكة العربية السعودية، بتاريخها ومكانتها، ليست دولة تبحث عن الصدام من أجل الصدام، ولا دولة تجعل المغامرة عنوانًا لسياستها. إنها دولة تدرك أن الحرب لها أثمان باهظة، وأن السلام المستدام يحتاج إلى إرادة سياسية، وأن حماية الأوطان تتطلب الجمع بين القوة والحكمة.

لكن من يظن أن حرص المملكة على السلام يعني أنها ستقبل بالاعتداء على أراضيها أو تهديد مواطنيها ومقدراتها، فهو يسيء فهم طبيعة الدولة السعودية ومبادئها.

فالمملكة تعمل على بناء علاقات متوازنة، وتعزيز التعاون مع الدول الشقيقة والصديقة، وتدعم الاستقرار الإقليمي، لكنها في الوقت نفسه تحتفظ بحقها المشروع في الدفاع عن نفسها، واتخاذ ما يلزم لحماية أمنها الوطني.

وهذا هو جوهر السياسة الرشيدة: أن تكون أبواب السلام مفتوحة، وأن تكون مؤسسات الدولة مستعدة، وأن يُتخذ القرار في الوقت المناسب، بعيدًا عن ضجيج المزايدات وحسابات الاستعراض.

إن ثلاثة قرون من التاريخ السعودي تؤكد أن بناء الدول لا يقوم على الشعارات وحدها، بل على الإرادة، والاستقرار، والعمل، والقدرة على تجاوز التحديات. والمملكة العربية السعودية، بقيادتها وشعبها ومؤسساتها، ماضية في حماية سيادتها، وصون مكتسباتها، وتعزيز أمنها، والعمل من أجل استقرار محيطها الإقليمي.

لا تحتاج المملكة إلى الدخول في منافسة إعلامية مع أحد لتثبت مكانتها، ولا إلى الانجراف وراء كل استفزاز لتؤكد قوتها. فالدولة الواثقة من نفسها تعرف متى تتحدث، ومتى تصمت، ومتى تتفاوض، ومتى تتخذ القرار الذي تفرضه مصالحها العليا.

إن قوة المملكة ليست في البحث عن الحروب، ولا في إطلاق التهديدات، بل في امتلاك القدرة على حماية الوطن، والحفاظ على استقراره، وإدارة الأزمات بعقل وحكمة. فالمملكة التي بنت مكانتها عبر عقود طويلة من العمل والتخطيط، تعرف أن الأمن لا يُصان بالاندفاع، وأن السيادة لا تُحمى بالشعارات، وإنما بالقوة المستعدة، والقرار المستقل، والقيادة الحكيمة، والشعب الملتف حول وطنه.

حفظ الله وطني المملكة العربية السعودية، ودام عليها أمنها واستقرارها، وحفظ قيادتها وشعبها من كل مكروه.

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى