/
/
قراءة في قصة أصحاب الكهف (3 ـ 3)

قراءة في قصة أصحاب الكهف (3 ـ 3)

Picture of بقلم _ فوزي محمد الأحمدي

بقلم _ فوزي محمد الأحمدي

كما ورد في السيرة النبوية وكتب التفاسير فإن قريش وبإيعاز من أحبار اليهود قد سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم عن ثلاث : الفتية الذين ذهبوا في الدهر الأول (أصحاب الكهف) , والرجل الطواف (ذو القرنين) , والروح . يلاحظ أولا بأن الإجابة على هذه الأسئلة في القرآن الكريم , كانت في العموم وليست في التفاصيل , لم تحدد الشخوص أو الزمان أو المكان أو الجوهر , وما زال الخلاف في التفاصيل قائما حتى الآن , لا أحد يعرف من هم أصحاب الكهف , أو ذو القرنين , أو ما هي طبيعة الروح ؟! . نأتي إلآن إلى السؤال الأول والمتمثل في الفتية الذين ذهبوا في الدهر الأول , في المنظور العلمي واللغوي نجد غالبا أن متوسط عمر الفتية جمع فتى غالبا ما يكون ما بين (10 ـ 24) عاما , في هذه المرحلة يتمتع الشباب بالعديد من الصفات الإيجابية والحيوية والنشاط البدني (الطموح , الحماس , تحديد الأهداف , المغامرة , الاستكشاف , قوة العزيمة والإرادة , العطاء , الإبداع .. إلخ) . لذلك لا غرابة في أن أكثر الذين آمنوا بدعوات الأنبياء هم من الشباب . يبدو أننا مع أصحاب الكهف نجد أنفسنا مع دعوة جديدة ونبي جديد . عندما يكون السؤال فتية ذهبوا في الدهر الأول , لو تأملنا في كلمة (الدهر الأول) من منظور ديني وقصي وتراثي وتاريخي , سوف نجد أنها تعود إلى تاريخ ما قبل الزمان , إلى فترة ما قبل الطوفان , تبدأ مع هبوط سيدنا آدم عليه السلام (العهد الأول) , وانتهت هذه الحقبة بطوفان نوح عليه السلام (عصر ما قبل التدوين) . حيث كان يعيش الإنسان دهورا (قرون) , وبالتالي فقصة أصحاب الكهف وذو القرنين ، لا يمكن أن تكون في عهد الأمبراطوريات والممالك الحديثة (التاريخ المدون) , والتي بدأت قبل حوالي (3000) سنة من الميلاد , والدليل على ذلك أنه حتى هذه اللحظة لا يعرف أحد شيئا عن زمان ومكان أهل الكهف , وذو القرنين , وسفينة نوح .. إلخ . في قوله تعالى : (وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق) . التعرف على أصحاب الكهف بعد (309) سنوات من اختفائهم ليس من السهولة بمكان , يعنى في مفهوم العصر الحديث مضى على اختفائهم ما يقرب من (10) أجيال على الأقل , أمر لا يمكن معرفته بسهولة (الذاكرة الشفهية) , إلا إذا كانت أعمار البشر في ذلك الزمان طويلة جدا (قرون) , ومما يؤكد ذلك بأن سكان المدينة لم يجدوا أي صعوبة في التواصل معهم (حاجز اللغة) , حيث أن اللغة بقيت كما هي لم تتغير , اللهم إلا إذا كان سكان المدينة يعيشون في منطقة نائية , وفي عزلة عن العالم وسط الجبال , مثل سكان التبت في جبال الهمالايا . يبدو أن الفتية كانوا من أبناء الذوات , أو كان لهم نشاط دعوي لفت إليهم انتباه الأجهزة الأمنية , لدرجة أنهم بعد انكشاف أمرهم (فجأة) , قاموا بمغادرة المدينة على الفور (بهدومهم) , لدرجة أنهم من شدة خوفهم لم يأخذوا معهم شيا , لذلك عندما استيقظوا طلبوا الطعام . فالذي يخطط للهرب يأخذ في الحسبان حاجته إلى الطعام وأشياء أخرى (عدة السفر) . تبقى نقطة هامة لم يلتفت إليها أحد تقريبا , وهي أن البعض يعتقد أن (ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال) يكفي لإبقائهم على قيد الحياة وهذا غير صحيح إطلاقا , لقد كان الفتية وكلبهم في الكهف لا يخضعون للقوانين الأرضية , لقد كانوا خارج نطاق الزمن . النوم في كهف مهجور ولفترة محدودة فقط , قد يعرض الإنسان إلى مخاطر كثيرة قد تؤدي إلى وفاته , مثل المخاطر البيولوجية (داء الكلب) الناتج عن عض الخفافيش , والذي قد يؤدي إلى الموت إذا لم يتم معالجة المصاب فورا , وأيضا داء الكهوف المتمثل بالأمراض التنفسية الخطيرة الناتجة عن الفطريات الملوثة بفضلات الطيور والخفافيش داخل الكهف , الحشرات الزاحفة والسامة (الأفاعي , العناكب السامة , القراد الذي ينقل (حمى الكهوف) , أيضا الإنهيارات الصخرية , نتيجة التغير في الرطوبة والحرارة , وأيضا الغازات السامة مثل الميثان (الإختناق) , أيضا انخفاض درجة حرارة الجسم نتيجة الرطوبة العالية جدا ودرجة الحرارة الثابتة , والتي قد تكون أقل بكثير من درجة حرارة الطقس الخارجي , وبدون التجهيزات الخاصة المتمثلة في العزل الحراري الاحترافي قد يؤدي ذلك إلى هبوط حاد في حرارة الجسم (الموت) . ناهيك عن مياه الأمطار التي قد تداهم الكهف وتغرقهم . فما بالك بالفتية الذين ناموا في الكهف (309) سنة ؟! ، هذا كاف لدفنهم من الغبار والأتربة والصخور المتساقطة عليهم وتحلل ملابسهم من الفطريات والبكتيريا . الكلب الذي كان يرافقهم من كلاب الحراسة وليس الصيد كما ذهب إلى ذلك بعض المفسرين . لأنه جلس أولا عند مدخل الكهف (وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد) , وثانيا لأن كلب الحراسة يتميز بالجرأة واليقظة العالية لردع المهاجمين وحماية الممتلكات (المكان) , بينما كلب الصيد يتميز بالسرعة وحاسة الشم القوية وجلب الطرائد , وليس لديه غريزة لحماية الأماكن أو التصدي للمهاجمين . الكهف كان قريبا من المدينة التي فروا منها وكان معروفا لدى الفتية قال تعالى : (فأووا إلى الكهف) , وكلمة (فأووا) هنا تدل على العزم والتوجه السريع إلى مكان معروف لديهم ويدركون وجوده وميزاته في الستر والحماية (التخفي) , ولم يقولوا فأووا إلى كهف , وإلا لكان (نكرة) غير معروف مسبقا . يبدو أن الفتية كانوا يترددون على الكهف سرا بين الحين والآخر , ربما كانوا يتعلمون فيه أمور دينهم الجديد كما هو الحال مع دار الأرقم في مكة في بداية الدعوة الإسلامية , والتي كانت بدورها تقع على سفح جبل الصفا (بعيدا عن الأعين) . يبدو أننا والحالة هذه أمام نبي جديد مرسل , والدعوة ما زالت في بدايتها وبدأت تحقق النجاح مما أثار مخاوف الحاكم (الاضطهاد) , في بلد كان فيه أغلبية السكان يعبدون الأوثان . كيف ومتى مات هذا الحاكم الظالم , ومتى حققت الدعوة النجاح , هذا لن يتم معرفته إلا بعد اكتشاف مكان الكهف الحقيقي وفحص محتوياته , والتنقيب عن الآثار التي هي قريبا منه (المدينة) . قال تعالى : قالو ا لبثنا يوما أو بعض يوم فسأل العادين) , هنا نلاحظ أن أهل الكهف لم يشعروا بأي تغيير طرأ على حياتهم ، مثل نمو الشعر والأظافر , الإدخال , الإخراج وغيرها من مظاهر الحياة (العمليات الحيوية) , لأنهم لم يكونوا يخضعون للقوانين الأرضية , لقد توقفت عندهم عقارب الزمن ، ربما كانوا في رحلة عبر الزمن , حتى أنهم (فبعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة) , هنا نحن أمام مدينة كبيرة وفيها ضواحي , وبالتالي لا بد أن يكون فيها مقر الحاكم الكافر الذي كان يطاردهم , ونجد في قوله تعالى : (بورقكم هذه) , بصيغة التأنيث وليس التذكير كما هو مفترض , والسبب في ذلك في أن المقصود به هنا هو العملة المعدنية (مؤنث) , وليس العملة الورقية (مذكر) , حتى وقت قريب كانت أغلب العملات النقدية مصنوعة من المعدن . (الذهب أو الفضة) , وكما هو معلوم فإن استغلال الذهب والفضة قد بدأ تقريبا قبل حوالي (6000) سنة قبل الميلاد (الممالك القديمة) , حيث لم يكن هناك لا إمبراطورية فارسية ولا رومانية (الحديثة) .

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى