في اليوم العالمي للمعلم.. تحية لمن علم الإنسان كيف يكون إنسانًا
في الخامس من أكتوبر من كل عام، يتوقف العالم قليلًا ليتذكر رجلًا وامرأةً يقفان في مكان قد يبدو عاديًا: أمام سبورة، أو خلف مكتب، أو بين مجموعة من الطلاب.
لكن الحقيقة أن المعلم لا يقف أمام فصل دراسي فحسب؛ إنه يقف أمام جيلٍ كامل.
ومن هنا تبدأ الحكاية.
فبعض المهن تصنع منتجًا، وبعضها تبني بيتًا، وبعضها تشق طريقًا، أما التعليم فيفعل شيئًا أبعد من ذلك كله؛ إنه يصنع الإنسان الذي سيبني البيت، ويشق الطريق، ويصنع المنتج، ويقود المجتمع.
ولهذا لم يكن غريبًا أن يحتل العلم مكانة رفيعة في الإسلام، وأن تكون أول كلمة نزلت من الوحي: ﴿اقْرَأْ﴾.
اقرأ… وكأن الرسالة منذ بدايتها تقول للإنسان: إن طريق النهضة يبدأ من المعرفة، وإن بناء الأمم يبدأ من بناء العقول.
ويقول الله تعالى:
﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11].
ليست المسألة إذن أن المعلم ينقل معلومة من كتاب إلى عقل طالب؛ المسألة أعمق بكثير.
إنه يفتح نافذة في عقلٍ صغير، فيرى صاحبها العالم أوسع مما كان يراه بالأمس.
يأخذ يد طفل لا يعرف كيف يكتب اسمه، ثم يراه بعد سنوات طبيبًا أو مهندسًا أو قاضيًا أو باحثًا أو معلمًا جديدًا.
وقد لا يعرف المعلم أحيانًا أين وصلت كلماته، ولا أي أثر تركته جملة قالها في لحظة عابرة.
ربما ينسى الطالب الدرس، وينسى تاريخ الاختبار، وينسى حتى اسم الكتاب الذي درسه…
لكنه قد لا ينسى أبدًا المعلم الذي آمن به عندما لم يؤمن هو بنفسه.
وهنا تكمن عظمة هذه المهنة.
فالمعلم الحقيقي لا يعلمك فقط ماذا تعرف، بل يعلمك كيف تفكر، وكيف تسأل، وكيف تختلف، وكيف تبحث عن الحقيقة، وكيف تنهض بعد الخطأ.
وفي الإسلام، لا تقف منزلة التعليم عند حدود الوظيفة أو المهنة، بل ترتبط برسالة عظيمة من رسالات الخير.
قال رسول الله ﷺ:
“إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرضين، حتى النملة في جحرها وحتى الحوت، ليصلون على معلم الناس الخير”.
أي منزلة هذه التي يصبح فيها تعليم الناس الخير عملًا يستحق هذا الثناء العظيم؟
وأي شرف يحمله إنسان يخرج من بيته كل صباح ليضع في عقول أبنائنا معرفة، وفي نفوسهم قيمة، وفي مستقبلهم فرصة؟
المعلم لا يصنع الأجيال بالطباشير وحدها.
يصنعها بالقدوة.
بالصبر حين يكرر الشرح للمرة العاشرة.
بالابتسامة حين يدخل طالب إلى الفصل وهو يحمل في داخله خوفًا لا يعرف كيف يعبر عنه.
بالكلمة التي ترفع معنويات طالب ظن أنه فاشل.
وبالموقف الذي يجعل طالبًا صغيرًا يدرك لأول مرة أن الخطأ ليس نهاية الطريق، وإنما إحدى محطات التعلم.
ولذلك فإن تكريم المعلم لا ينبغي أن يكون وردة في الخامس من أكتوبر ثم تعود الحياة إلى عادتها في اليوم التالي.
المعلم لا يحتاج إلى التصفيق فقط؛ يحتاج إلى التقدير الحقيقي، والاحترام، والتمكين، والبيئة التي تساعده على أداء رسالته.
فإذا كنا نريد تعليمًا قويًا، فعلينا أن نسأل أولًا: كيف حال المعلم؟
وإذا كنا نريد جيلًا قادرًا على صناعة المستقبل، فعلينا أن نسأل: هل أعطينا من يصنع هذا الجيل ما يستحقه من ثقة وتقدير؟
وهنا تحضر كلمةٌ خالدة للملك فيصل بن عبدالعزيز -رحمه الله-، تختصر في كلمات قليلة مكانة هذه المهنة وعظمة رسالتها: “لو لم أكن ملكاً؛ لوددت أن أكون معلماً”.
ليست هذه العبارة مجرد إشادة بمهنة، بل صورة بليغة لقيمة التعليم في وجدان رجلٍ كان على رأس دولة؛ حتى رأى في مهنة التعليم مكانةً تستحق أن يتمناها الملك لو لم يكن ملكًا. وقد أُدرجت العبارة ضمن أقوال الملك فيصل المنشورة لدى جائزة الملك فيصل.
وإذا كان الملك قد رأى في التعليم أمنيةً لو لم يكن في موقعه، فإن المعلم الذي يقف اليوم أمام طلابه يحمل بين يديه ما هو أعظم من كتابٍ ومنهج؛ يحمل مفاتيح الغد.
إن الاحتفاء العالمي بالمعلمين في 5 أكتوبر ليس مجرد مناسبة رمزية؛ فهو يوم أقرته اليونسكو منذ عام 1994 للاحتفاء بالمعلمين والتذكير بدورهم وحقوقهم وظروف عملهم، ويأتي هذا العام في الذكرى الستين لتوصية اليونسكو ومنظمة العمل الدولية بشأن أوضاع المدرسين.
لكننا، في عالمنا العربي والإسلامي، نملك سببًا أعمق للاحتفاء.
فنحن أمة بدأت قصتها مع العلم.
وأمة كان فيها المسجد مدرسة، والعالم معلمًا، والكتاب قيمة، والرحلة في طلب العلم طريقًا، وكان السؤال عن المعرفة بابًا من أبواب الارتقاء.
ولذلك فإن احترام المعلم ليس مجاملة اجتماعية؛ إنه احترام للعلم نفسه، واحترام للرسالة التي يحملها.
أيها المعلم…
ربما لا ترى اليوم نتيجة ما تزرع.
وربما تمر عليك سنوات طويلة وأنت تشرح وتصحح وتعيد وتنتظر.
لكن تذكر أن الأشجار لا تخبر الزارع متى ستثمر.
وقد يكون هناك طالب بين يديك الآن، ستغير كلمتك حياته بعد عشرين عامًا.
وقد يكون أحد طلابك هو الطبيب الذي سينقذ حياة إنسان، أو المهندس الذي سيبني مشروعًا، أو الباحث الذي سيكتشف شيئًا جديدًا، أو القائد الذي سيخدم وطنه، أو المعلم الذي سيقف يومًا في فصل دراسي ويقول لتلاميذه:
علمني أستاذي أن الإنسان يستطيع أن يكون أفضل.
حينها فقط ستدرك أنك لم تكن تدرّس مادة.
كنت تزرع إنسانًا.
وفي اليوم العالمي للمعلم، لا نقول للمعلمين: شكرًا لأنكم علمتم أبناءنا القراءة والكتابة والحساب فقط.
بل نقول:
شكرًا لأنكم كنتم جزءًا من تكوين الإنسان الذي أصبحناه.
شكرًا لكل معلم حمل رسالة التعليم بقلبه قبل يده.
لكل معلم بقي بعد انتهاء الحصة ليشرح لطالب لم يفهم.
لكل معلمة رأت في طالبتها موهبةً لم يرها أحد.
لكل معلم جعل من فصله مكانًا يشعر فيه الطالب أنه قادر، ومهم، وقادر على أن يصنع شيئًا في هذه الحياة.
وفي زمنٍ تتغير فيه التقنية بسرعة، وتتقدم فيه أدوات الذكاء الاصطناعي، وتصبح المعلومة متاحة بضغطة زر، ستبقى قيمة المعلم في شيء لا تستطيع الآلة أن تمنحه وحدها:
أن يرى الإنسان خلف الطالب.
أن يعرف متى يحتاج إلى معلومة، ومتى يحتاج إلى تشجيع، ومتى يحتاج إلى فرصة، ومتى يحتاج فقط إلى شخص يقول له: أنا أؤمن بك.
ذلك هو المعلم.
معلم الأجيال… وصانع المستقبل… وحارس شعلة المعرفة.
فطوبى لمن علم حرفًا، وأيقظ عقلًا، وبنى قيمة، وترك في قلب إنسان أثرًا لا يمحوه الزمن.
وكل عام، ومع كل الخامس من أكتوبر، والمعلمون بخير.
لأن الأوطان التي تعرف قيمة معلميها، تعرف قيمة مستقبلها.
كتبه : عبدالله بن سليمان الرويثي.
https://x.com/a_arwithey
@a_arwithey













