كم من تغريدة قالت لصاحبها دعني ثم هي مضت أبعد مما أراد صاحبها أن تكون وكشفت من المعاني ما لم يكن يتوقع أن يصل إليها الناس فقد لفتت انتباهي تلك التغريدة وكمية الردود المهولة التي كتبها أحد المسؤولين بعد مغادرته منصبه عقب زيارة قام بها لإحدى المؤسسات خارج البلاد كان يتحدث بإعجاب عن المكان الذي زاره وعن مبانيه ومرافقه ومكتبته وحدائقه وملاعبه وعن البيئة التي يوفرها للعاملين وكيف بدت له مريحة ومحفزة للعمل والإنجاز .
والإعجاب بتجربة ناجحة ليس عيبًا بل إن الاستفادة من تجارب الآخرين من أسباب التطور ولكن ما يلفت في مثل هذه الحالة أن صاحب التغريدة كان قبل ذلك على رأس مؤسسة مماثلة في الداخل وكان يفترض أن تكون مثل هذه التفاصيل حاضرة ضمن اهتماماته وهو يمارس عمله ومسؤولياته.
الحقيقة أن مؤسساتنا وصروحنا ليست أقل من غيرها بل إن لدينا من المباني والتقنيات والتجهيزات والبيئات ما هو أفضل ما في العالم وبعضها تجاوز في إمكاناته وتقنياته الكثير من الدول ولهذا فإن المشكلة في كثير من الأحيان لا تكون في المبنى ولا في التجهيز ولا في التقنية ولا في البيئة الأساسية وإنما في طريقة الإدارة والتعامل مع المشكلات القائمة فالمشكلة تبدأ عندما يأتي مسؤول إلى مؤسسة قائمة فيتعامل معها وكأن كل ما سبقه لم يكن جديرًا بالثقة وكأن عليه أن يثبت ذاته ويترك بصمته في كل شيئ فيغيّر ما هو قائم لمجرد التغيير فقط ويجرب أفكارًا جديدة دون أن يمنح نفسه الوقت الكافي لفهم طبيعة المؤسسة أو معرفة أسباب نجاحها وتعثرها مما يجعلها حقل تجارب من حيث يشعر ولا يشعر .
بينما داخل هذه المؤسسة أشخاص عاشوا سنوات طويلة بين جدرانها وولدوا من رحمها ويعرفون تفاصيلها أكثر مما تظهره تلك التقارير ويعرفون ما الذي يميزها وما الذي يمكن تطويره وما الذي تعثر وأين تكمن الأسباب الحقيقية وراء ذلك وهؤلاء لا يحتاجون إلى أن يكونوا أصحاب القرار أو حول سعادته أو معاليه حتى تكون آراؤهم ذات قيمة بل منهم في الميدان ولديهم خبرة متراكمة داخل المؤسسة وهي ثروة لا تظهر دائمًا في تلك الأوراق والتقارير والتعاميم التي قد تكون شغل معاليه الشاغل .
ولتكون ناجحًا كان من الأولى أن يُستمع إلى هؤلاء وأن يعرف المسؤول منهم ما لا يمكن أن يعرفه ممن هم خلف المكاتب للأسف بعض المسؤولين مع مرور الوقت ينغلقون على أنفسهم داخل مكاتبهم ولا يرون إلا ما يصل إليهم عبر من حولهم ولا يسمعون إلا ما يمر عبر القنوات الرسمية والتي يتم تحبيرها وتغليفها بما يخفي حقيقتها ومع كثرة التقارير والاجتماعات قد يصبح الواقع الذي يصل إلى المسؤول مختلفًا عن الواقع الذي يعيشه العاملون هناك ومما يزيد الأمر سوءًا عدم الزيارات المفاجئة لمعرفة الأمور على طبيعتها ومن خلال ذلك الانغلاق تأتي العبارة التي يعرفها كثيرون في بيئات العمل
“كل شيء تمام يا فندم ” بينما الواقع أن في الميدان أشياء كثيرة تحتاج إلى إصلاح وتغيير ودراسة وأخذ الدروس المستفادة من تجارب الآخرين ومن يعانون المشكلة ذاتها .
وهذه ليست مشكلة شخص بعينه وإنما نمط إداري قد يتكرر عندما يصبح المسؤول بعيدًا عن تفاصيل العمل أو عندما يخشى المحيطون به نقل الصورة كما هي أو عندما يعتقد صاحب القرار أن سماع الرأي الآخر ينتقص من سلطته وإدارته فالقيادة الحقيقية أيها السادة ليست في أن يكون المسؤول أكثر الناس حديثًا وقرارًا وإنما في أن يكون أكثرهم قدرة على الاستماع وفهم الواقع والتمييز بين ما يحتاج إلى تغيير وما يستحق أن يبقى فليس كل قديم سيئًا وليس كل جديد هو الأفضل .
والمسؤول الناجح لا يأتي ليضع بصمته على المؤسسة بقدر ما يأتي ليضيف إليها ويحافظ على ما نجح ويعالج ما تعثر ويطور ما يحتاج إلى تطوير ومتابعة ثم ليترك المكان أفضل مما كان فهنا تأتي المفارقة فبعد مغادرة المنصب يرى المسؤول أن هناك مؤسسات خارجية فيتوقف عندها ويلمح تلك التفاصيل البيئة والمرافق والتنظيم ويعجب بالطريقة التي تجعل المكان مريحًا ومحفزًا للعاملين ولكنه الآن في الوقت بدل الضائع وكأن على عينه غشاوة تجلت أمام إنبهاره بالغرب فمن الأفضل أن يحتفظ ذلك لنفسه بما كان جاهلًا عنه ولم تصله عبر التقارير التي ترسل إليه.
لكن كان الأجمل لو أن مثل هذه الملاحظة كانت حاضرة أثناء المسؤولية ولو أن صاحبها حاول أن يعرف كيف تُدار تلك المؤسسات وكيف تُبنى فيها العلاقة بين الإدارة والعاملين وكيف تتحول الإمكانات إلى بيئة تساعد على الإنجاز لكن الوضع أفضل فقد كان يمكن أن تكون الزيارة وهذا الإنبهار وقت المسؤولية فرصة للتعلم ونقل التجارب الناجحة بما يناسب واقعنا وعاداتنا وتقاليدنا وقبل ذلك ديننا الحنيف بدل أن تكون مجرد ملاحظة تأتي بعد مغادرة الموقع.
فالمؤسسات الناجحة لا تصنعها المباني وحدها مهما كانت فاخرة أو عتيقة ولا التقنية وحدها مهما بلغت من التطور بل بصنع الإنسان وتأهيله كل ذلك يصنعه مدير يحترم خبرة العاملين معه ولا يخشى المسؤول أن يسمع ما لا يوافق رأيه وأن يرى ويؤمن بأن الموظف الذي أمضى سنوات في تلك المؤسسة قد يعرف عنها ما لا يظهر في أي تقرير أو لجان تخرج من مكتبه لأن اللجان عادة تعرف ما يريد وما لا يريد فتكون أغلب التقارير موافقة لأهوائهم جميعًا بما فيهم المسؤول ولذلك فإن من أكبر الأخطاء الإدارية أن يتحول المنصب إلى مساحة لإثبات الذات ونقش الاسم وهدم ما تم بناؤه وأن تصبح المؤسسة حقلًا لتجارب المسؤول الشخصية.
فالمسؤولية ليست أن تجعل الجميع يعرفون أنك غيّرت وإنما أن يشعر الجميع بأن ما غيرته كان في مصلحة العمل ومراعاة الأهداف السامية التي تراعي جميع الأحوال
فالناس لا تحتاج إلى مسؤول يترك اسمه على كل قرار بقدر حاجتها إلى مسؤول يترك أثرًا في المكان والإنسان.
فعندما يغادر المسؤول منصبه تتغير الأسماء وتُغلق تلك المكاتب والتقارير ليأتي مسؤول آخر ويبدأ بتجارب أخرى تجعل البيئة العامة «محلك راوح»، بل قد تكون إلى الأسوأ مما يؤثر على سير العمل والعاملين ويجعلها بيئة طاردة لكل متميز وناجح فالمؤسسة ستبقى والعاملون كذلك والإنجازات التي تحققت أو الفرص التي ضاعت في مهب الريح ولهذا فإن القيمة الحقيقية للمسؤول لا تقاس فقط بما أنجزه أثناء وجوده على الكرسي وإنما بما تركه بعد أن غادره .
هنا أسئله يُفترض أن تطرحها على نفسك أخي المسؤول هل حافظت على ما كان جيدًا هل أصلحت ما كان متعثرًا هل جعلت بيئة العمل أفضل مما كانت عليه هل استمعت إلى أهل الخبرة وهل خرجت من المؤسسة وهي أكثر قدرة على الاستمرار والتطور والعطاء فهذه أمور قد لا تظهر كلها في التقارير لكنها تظهر في الواقع ويعرفها العاملون جيدًا والمتأثرون بها وبتبعاتها.
ولذلك حين يرى المسؤول بعد مغادرته لمنصبه تجربة ناجحة في مكان آخر فليكن إعجابه بها بداية للتأمل لا مجرد انبهار بما لدى الآخر ونظرة أسف لما هو عليه الحال فالنجاح ليس حكرًا على الخارج وما لدينا من صروح ومؤسسات وإمكانات تستحق أن نراها بعين الرضا والطموح للمستقبل ونحافظ عليها ونطورها ونسعى لأجل تطورها ونجعل بيئتها محفزة ومشجعة على الإستمرار وليس لإثبات أنفسنا من خلال البيروقراطية النتنة.
ولو تواضعنا واستمعنا لوجدنا بعض الإجابات التي نبحث عنها بعيدًا موجودة أصلًا داخل تلك المؤسسة وعند أولئك الذين عاشوا تفاصيلها وعرفوا تاريخها وتعلموا من نجاحاتها وإخفاقاتها فاستمع لمن ولدوا من رحم المؤسسة قبل أن تبحث عن كل الإجابات خارجها فالمناصب تزول والأسماء تتغير والبصمات الشخصية قد تُنسى لكن الأثر سيبقى ما بقيت الحياة وقد ينسى الناس اسم المسؤول بعد سنوات لكنهم لا ينسون مسؤولًا جعل بيئة عملهم أفضل واحترم خبراتهم وحفظ للمؤسسة ما فيها من نقاط قوة وأضاف إليها ما تحتاجه فثمة فرق بين مسؤول مرّ من هنا ومسؤول جعلها أفضل قبل أن يغادرها وهذا هو الأثر الذي لا يغادر فياليتهم يتواضعون فيستمعون ثم يعملون













