/
/
المرأة بين التخطيط الاستعماري والتبشيري ورعاية الشريعة الإسلامية

المرأة بين التخطيط الاستعماري والتبشيري ورعاية الشريعة الإسلامية

Picture of بقلم _ الأديب والمؤرخ سيد الرشيدي

بقلم _ الأديب والمؤرخ سيد الرشيدي

لم تكن المعارك بين الأمم عبر التاريخ مجرد صدام بالسيوف أو مواجهة بالمدافع، بل كانت -ولا تزال- معركة فكرية وحضارية تُدار بأدوات ناعمة وخطط طويلة المدى. وفي أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، حين أدرك منظرو الحملات التبشيرية والاستعمارية أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لاستلاب شعوب الشرق وتغيير عقيدتهم وقيمهم، اتجهوا إلى استراتيجية جديدة تُصيب المجتمع في مقتله: استهداف المرأة.

تخطيط الحملات التبشيرية والاستعمارية لاستهداف المرأة
إن القارئ لتقارير المؤتمرات الغربية والتبشيرية القديمة يجد تأكيداً واضحاً على أن الوصول إلى عقيدة المسلم ومستقبله يبدأ من البيت، ولا مفتاح للبيت إلا الأم والزوجة.

وقد حرصتُ دوماً في كتاباتي ورواياتي ومؤلفاتي التاريخية والأدبية على إبراز هذا الدور التربوي والمحوري للأنثى؛ فالمرأة هي المدرسة الأولى، والعمود الفقري الذي يُبنى عليه سلوك الأجيال وتتشكل به هُوية الأمة ومكانتها المرموقة في المجتمع.
ولقد ارتكز تخطيط تلك البعثات والحملات الاستعمارية والتبشيرية على مقولة اجتماعية حاسمة: «إذا فسدت المرأة فسد المجتمع كله، وإذا صلحت صلح المجتمع كله». فالمرأة هي الصانعة الأولى لأخلاق الرجال، والحاضنة لقيم النسل. ومن هنا عملت تلك الجهات عبر القنوات الاجتماعية والصحية والتعليمية على:
تزهيد المرأة في رسالتها التربوية العظيمة وإشعارها بأن دورها كأم ومربية هو نوع من التخلف والتبعية.

إحلال المفاهيم المادية والسطحية محل المفاهيم الأخلاقية والدينية، ليفقد المجتمع حصانته الذاتية.

فصل المرأة عن تاريخها وقيمها باسم التحرر الصوري، لتقوم هي بنفسها -دون قصد- بتنشئة أجيال منقطعة الجذور عن أمتها.
مكانة المرأة وكرامتها في الشريعة الإسلامية
في مقابل هذا التخطيط الذي أراد تحويل المرأة إلى أداة لخلخلة البناء الاجتماعي، يقف الإسلام بموقفه التاريخي العظيم الذي نقل المرأة من الهوان والابتذال إلى أوج الكرامة والاستقلالية.
وقد أحرص دائماً في كتاباتي ورواياتي على تجلية المكانة العالية التي تبوأتها المرأة في ظل الإسلام؛ حيث أعلن الرسول صلى الله عليه وسلم المبدأ الخالد:
«إنما النساء شقائق الرجال» (رواه أبو داود)
ولم يكن تكريم الإسلام للمرأة مجرد شعارات، بل تجسد في أحكام تصون كرامتها وتضمن حقوقها:
الأهلية والذمة المالية: منحها الإسلام حق التملك والإرث وإدارة أموالها باستقلالية تامة لم تعرفها القوانين الغربية إلا في القرون الأخيرة.
الحماية والرعاية: فرض الإسلام النفقة وحسن المعاشرة على الرجل، وجعل خدمتها وحمايتها واجباً شرعياً.

اعلان

الدور التربوي والقيادي: جعل الإسلام للأم مكرمة وفضلاً يُقدم حتى على جهاد النافلة، وجعل الجنة تحت أقدام الأمهات، اعترافاً بدورها التربوي الذي لا يماثله دور في صياغة عقول الأجيال وبناء المجتمع.
مواقف تاريخية تُجسد غيرة العرب والإسلام على المرأة
لقد تشربت الشخصية العربية والمسلمة هذه المعاني، فصارت كرامة المرأة خطاً أحمر تُستبسل دونه الأرواح، وتشهد على ذلك صفحات التاريخ:
1. موقف النبي صلى الله عليه وسلم في سوق بني قينقاع
حين اعتدى صائغ في المدينة على حياء امرأة مسلمة وحاول كشف سترها، استغاثت المرأة، فنهض رجل من المسلمين فقتل الصائغ انتصاراً لعفتها، وكانت هذه الحادثة سبباً في إجلاء بني قينقاع عن المدينة، مما يوضح أن كرامة امرأة واحدة كانت لدى الدولة الإسلامية الأولى سبباً في تحريك الجيش وتغيير الموازين السياسية.
2. صرخة عمورية.. وجيش المعتصم
في العصر العباسي، عندما استغاثت امرأة عربية مسلمة وقعت في الأسر فنادت: «وا معتصماه!»، بلغ الخبر الخليفة المعتصم بالله، فلم يتمهل، بل جهز جيشاً جراراً وجرد العساكر وقاد المعركة بنفسه حتى فتح “عمورية” وأعتِق المرأة وصان كرامتها، ليثبت للعالم أن الأمة التي تعز نساءها لا تُقهر.
3. مروءة العرب في الشعر والنثر
حتى قبل الإسلام، كانت المروءة العربية الأصيلة تترفع عن المساس بحياء المرأة أو استغلال ضعفها. يقول عنترة بن شداد مفاخراً بعفته وغض بصره:

وَأَغُضُّ طَرْفِي مَا بَدَتْ لِي جَارَتِي

حَتَّى يُوَارِيَ جَارَتِي مَأْوَاهَا

ويقول الشنفرى يصف المرأة الكريمة الحييّة التي تُصان في بيتها:

لَقَدْ أَعْجَبَتْنِي لاَ سُقُوطاً لِقَاؤُهَا

وَلاَ أَرْضُهَا مِمَّا تُنَاقِلُ بَاطِلا

تَبِيتُ بَعيْدَ النَّوْمِ تَهْدِي جَوَارِياً

كَمَا بَثَّ فِي الأُفْقِ النُّجُومَ الكَوَاكِبَا

ويقول حسان بن ثابت رضي الله عنه في وصف النساء العفيفات الشريفات:

حَصَانٌ رَزانٌ ما تُزَنُّ بِرِيبَةٍ

وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِلِ

إن معركة صيانة المرأة ليست معركة ضد العصر أو التطور، بل هي معركة للحفاظ على الأسرة والمجتمع. وإنني إذ أشدد في رواياتي ودراساتي التاريخية على إبراز الدور التربوي السامي للمرأة ومكانتها الرفيعة في المجتمع، فلأنها صانعة الأجيال وحارسة القيم. وإن التصدّي للمخططات الوافدة يستوجب التمسك بهذا الموروث الحضاري العظيم الذي جمع بين إعطاء المرأة كافة حقوقها وتعليمها ومكانتها، وبين حفظ حياضها وعفتها لتظل السند المكلل بالكرامة والعزة لبيتها وأمتها.

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى