مررت ذات مساء على أول موقع سكنت فيه في العقيق فتوقفت أمام عدد من النخيل التي شمخت وشاخت حتى خُيّل إليّ أنها تريد أن تتحدث معي أو ربما كانت تنتظر مني أن أحدثها لتستعيد معي شيئًا من تلك الذكريات التي عشناها سوياً تفاصيلها منذ سنوات بعيدة.
وقفت طويلًا أنظر إليها نخيل عالية شامخة أنهكها الزمن وتركتها أيدي الناس للإهمال وكأنها تشكو جفاء الإنسان وهجره لها وفي تلك اللحظات جاشت في صدري مشاعر كثيرة وعادت بي الذاكرة إلى أيام بعيدة إلى وجوه وأصوات وأماكن لم يعد كثير منها موجودًا اليوم ،، تذكرت ذلك الزمن الجميل حين كنت مولعًا بالمسلسلات الإذاعية وبأصوات الممثلين التي كانت تأتي من الراديو ومنهم الفنان اللبناني رشيد علامة والفنان عبدالمجيد مجذوب وغيرهما ممن لا تحضرني أسماؤهم الآن وكان ذلك بالنسبة لي عالمًا كاملًا فالراديو كان رفيقًا لي والصوت القادم منه كان يملأ المكان حياة .
كان منزلنا محاطًا بالنخيل من كل جانب وتسمع خرير الماء الذي يمر عبر الفلج الذي يأتي من البركة التي ينزل إليها ماء البئر وكانت هناك «المكنة» التي تعمل أحيانًا قبل الفجر بساعة وقد يستمر صوتها إلى ما بعد العشاء صوتٌ أصبح مع مرور الأيام جزءًا من موسيقى المكان وذاكرته كانت رائحة الماء تعبق في المكان ويهب علينا الهواء البارد القادم من داخل المزرعة فتشعر وكأن الطبيعة نفسها تشاركنا حياتنا اليومية كانت البيوت في ذلك الزمن مختلفة في تصميمها فالفناء أو «الحوش»، كان مفتوحًا وفيه يجتمع الناس للأكل والسهر والضيافة ولم نكن ننقطع عن الجيران ولا هم ينقطعون عنا كانت الأبواب مشرعة والقلوب مفتوحة والمسافات بين الناس أقصر بكثير مما هي عليه اليوم.
لم تكن الحياة مرفهة كما هو اليوم و لكنها كانت هنية لم تكن الطرق معبدة وكانت الكهرباء بدائية والإنارة محدودة ولم يكن هناك مستشفى وإنما مركز صحي بسيط ربما لا يتجاوز طبيبًا وممرضًا و فراشًا وكان الطبيب في ذلك الزمن «طبيب لكل شيء»، فإذا غاب لأي ظرف قام الممرض مقامه
كل ذلك لم يكن يعني لنا الكثير لأن البساطة كانت سيدة الموقف والناس كانوا يصنعون من القليل حياة كاملة.
حتى مسميات القبائل والعوائل التي أصبحت اليوم حاضرة في كثير من تفاصيل حياتنا لم تكن تشغلنا في تلك الحقبة كما تشغلنا اليوم إلا في حدود ضيقة كنا نعرف الإنسان بجيرته وأخلاقه ومعاشرته قبل أن نعرفه بأي شيء آخر.
الله ما أجمل تلك الأيام!
وما أجمل العقيق بنخيله وبساتينه ومياهه الرقراقة وما أجمل أهله وساكنيه عليهم من الله السلام و منا الإحترام ولمن مات منهم الرحمة والمغفرة كانت الأحلام بسيطة والحياة هادئة والرفقة سعيدة وكان لكبار السن رجالًا ونساءً حضورهم وهيبتهم ،، و لشبابها حيويتهم وللبيوت دفؤها وللجيران مكانتهم .
ولست أقول إن ذلك الزمن كان أفضل من حاضرنا في كل شيء فالعصر الذي نعيشه اليوم أكثر تطورًا وراحة وفيه من النعم والخدمات ما لم يكن متاحًا لنا آنذاك لكن المشكلة أننا ونحن نكسب كثيرًا من مظاهر الحياة الحديثة فقدنا شيئًا آخر لا يُقاس بالمال ولا بالتقنية بساطة الروح وهذا ما شعرت به وأنا أقف أمام تلك النخيل كان أكثر ما يؤلمني أن أرى النخلة التي كانت يومًا جزءًا أصيلًا من حياة الآباء والأجداد واقفة اليوم وحيدة تنتظر من يتعاهدها أو على الأقل نظرةً من بعيد .
لقد كان آباؤنا وأجدادنا يعرفون النخلة كما يعرفون أبناءهم وحتى يضعون لها أسماء تعرف بها و يعرفون حاجتها إلى الماء ووقت تلقيحها وكيفية رعايتها ومتى تحتاج إلى تنظيف جذعها وسعفها ومتى يحين قطاف ثمرها .
أما اليوم فقد أصبحت كثير من النخيل إما مهملة أو مسلّمة إلى عمالة قد لا تعرف طبيعة المكان ولا احتياجات النخلة فكثر فيها المرض وقل إنتاجها وأصبحت بعض المزارع التي كانت يومًا مصدر حياة ورزق مجرد بقايا ذاكرة وكأن النخلة تقول لنا في صمت ” من تركنا تركناه ” ولم يتوقف الأمر عند النخلة فقد امتد الإهمال إلى أشياء كثيرة كانت تمنح حياتنا معناها .
لقد استبدلنا كثيرًا من المساحات الخضراء بالخرسانة واستبدلنا الجلسات العائلية بالشاشات واستبدلنا الجيرة بالمشاغل واستبدلنا الأحاديث الطويلة برسائل قصيرة حتى أصبحنا نعيش في عالم أكثر اتصالًا من الناحية التقنية وأقل تواصلًا من الناحية الإنسانية.
لم تعد الحياة صامتة لأن الأصوات اختفت بل أصبحت أكثر صمتًا رغم كثرة الأصوات
فالمدن تعج بالناس والهواتف لا تتوقف والمعلومات تصلنا في كل لحظة ومع ذلك أصبح الإنسان في أحيان كثيرة أكثر وحدة
ربما لم تكن المشكلة في الزمن الجديد وإنما في أننا لم نحسن الاحتفاظ بأجمل ما كان في الزمن القديم .
كان يمكن أن نأخذ من الماضي بساطته ومن الحاضر تطوره و أن نحافظ على النخلة دون أن نتخلى عن العمران وعلى الجيرة دون أن نتخلى عن الخصوصية وعلى صلة الرحم دون أن نتخلى عن وسائل التواصل الحديثة وعلى دفئ الإنسان دون أن نرفض منجزات العصر ولهذا عندما رأيت تلك النخيل شامخة رغم ما أصابها من إهمال شعرت أنها لم تكن مجرد أشجار أمامي بل كانت ذاكرة
وكانت شاهدة على أناس مروا من هنا وأطفال كبروا وشابوا وبيوت تبدلت وأجيال رحلت وحياة تغيرت .
وربما كانت تنتظر فقط أن يتذكرها أحد
تأملتها طويلًا ثم غادرت المكان لكنني شعرت أن شيئًا مني بقي هناك بين نخلة عتيقة وخرير ماء وصوت مكنة قديمة ورائحة أرض رطبة وبيت كان يومًا يعج بالأهل والجيران بعض الأماكن لا نسكنها نحن فقط بل تسكننا هي أيضًا.













