في ذاكرة الصحراء والقبيلة، تتجلى صورٌ قادمةٌ من أزمنةٍ كأنها غارقةٌ في البساطة، لكنها في جوهرها تختزن معارفَ عميقةً وعلومًا فطرية أورثتها التجربةُ جيلاً بعد جيل. ومن تلك المشاهد الدافئة التي انطبعت في مخيلتي منذ الصغر، منظر ذلك الشيخ أو الخبير البَدَويّ، وهو يجلس في صبحات الرعي بين الشياه والماعز؛ يتفحص حلاله بذكاءٍ وسكونٍ عجيبين.
كنا نرى الرجل في القبيلة يقترب من النعجة أو العنزة العُسُر، فيضع يده بثباتٍ ورفقٍ عند أسفل بطنها، يغمض عينيه قليلًا ليُرهف حواسه، ثم “يَنقُرها” بأصابعه بحركاتٍ متقنةٍ لا تخطئ. وما هي إلا لحظاتٌ خاطفة، حتى يلتفت إلى القوم بثقةٍ ويقول: “هذه حَامِلٌ بـ (طَلِيٍّ) واحد”، أو “هذه في بطنها توأم”، بل وكان يحدد بدقة كم مضى على حملها وهل أقربت الولادة أم لا، دون حاجة لتقنياتٍ أو أدوات!
كنا نسمي هذه العملية في لسان القبيلة اليومي بـ “نَقْر الشاة” أو “نَقْر المعزة”، وهو مصطلح شعبيّ بليغ يرسم صورة دقيقة لحركة الأصابع وهي تفحص أحشاء الشاة بضرباتٍ خفيفة كالنقر، للاستدلال على ما واوارته الأرحام.
المصطلح في اللغة والتراث العربي
ولئن شاع لفظ “النقر” في البادية، فإن له في المعاجم العربية الفصيحة وفي التراث أصولًا راسخة؛ إذ يُسمى هذا الفعل بـ “الجَسّ” أو “التَّجْسِيس”؛ يُقال في لسان العرب: “جَسَّ الشاةَ وجَسَّ العَجُزَ” إذا مسَّها بيده ليعلم سِمَنَها من هُزالها، أو ليعرف أفي بطنها جَنين. وكان يُطلق على هذا الخبير اسم “الجَاسّ” أو “النَّقَّار”.
ولم تكن هذه الفراسة مجرد مصادفة، بل كانت تُعدّ جزءًا من علم العرب بالفِراسة البيطرية وتعهُّدِ الأنعام، حيث يُستدل بملمس الرحم وثقل البطن وتغيّر حركة المشيمة على حالة الشاة، مما يتيح لرجل القبيلة تدبير حلاله، وإعداد الرعاية المناسبة للنعجة المِتْآم (التي تلد التوائم) وتجنب إجهادها في المَراعي البعيدة.
المعادل في المصطلح العلمي الحديث
واليوم، حين نطل على هذا الموروث من نافذة العلم الحديث، نجد أن ما كان يمارسه “النَّقَّار” في القبيلة هو عينُه ما يُدرس في كليات الطب البيطري تحت اسم: “الجسّ اليدوي عبر الجدار البطني”، أو “التشخيص بالجسّ البطني”.
والعلم البيطري يؤكد أن هذه الطريقة اعتمدت على حساسية عالية في أطراف الأصابع لتشخيص الحمل، حيث يستشعر الفاحص التغيرات الفسيولوجية في حواشي الرحم، ويكتشف وجود الأجنة أو العُقَد المشيمية، بل ويُقدر عدد الأجنة بناءً على الكتلة الملموسة وانزلاق الجنين تحت ضغط اليد الخفيف.
إنَّ “نَقْر الشياه” ليس مجرد حكايةٍ قديمة من مأثورات البادية، بل هو جزءٌ من منظومة معرفية متكاملة شادها أهلُ الصحراء بفطرتهم وملاحظتهم الدقيقة لطبيعة الحياة. هو جسرٌ ممتد بين فِراسة الجَسّ في تراثنا العربي، وبين علوم التشخيص الحديثة؛ يؤكد لنا دوماً أن في ثنايا القبيلة وتاريخها المروي كنوزاً من الخبرة الإنسانية التي تستحق أن ندوّنها ونحتفي بها.
نَقْرُ الشِّياهِ.. عَبْقَرِيَّةُ الفِراسةِ ورَعْيُ التُّراثِ في البادِيَةِ
بقلم _ سيد الرشيدي
أضواء الوطن
- منذ ساعتين
- 4095
شاركها
-
بلدية محافظة الخطة تحتفي باليوم الوطني الـ96منذ 19 دقيقة
-
بلدية الشملي تحتفي باليوم الوطنيمنذ 28 دقيقة
-
سعودي وأفتخر
ما شاء الله الله يوفقه نموذج يحتذى به لقوة الإرادة....
-
فيصل الغامدي
امتناني وتقديري....
-
عبدالهادي الصويان
المدير الناجح هو الذي ينجح في تحقيق الأهداف، وينجح في التواص...
-
فاطمة المفرح
دامت حروفك سراجاً ينير طريق الكلمة الطيبة . فقد نظمت من الشع...
-
الاعلامي رشيد البلوي
كتبت فأجدت بورك في قلمك...
أخبار المجتمع
-
أمين سر جمعية الصحافيين الكويتية يحتفل بزفاف نجله «محمد»منذ أسبوع واحد













