/
/
“السُّعُودِيَّةُ” وَطَنٌ تَوَحَّدَ وَمَسِيرَةٌ تَتَجَدَّدُ

“السُّعُودِيَّةُ” وَطَنٌ تَوَحَّدَ وَمَسِيرَةٌ تَتَجَدَّدُ

Picture of عبدالله بن سليمان الرويثي

عبدالله بن سليمان الرويثي

في الثالث والعشرين من سبتمبر عام 1932م، لم يكن التاريخ يسجل يومًا عابرًا في مسيرة الجزيرة العربية، بل كان يوثق ميلاد دولة توحدت أجزاؤها تحت راية واحدة، واسم واحد: المملكة العربية السعودية.

وكانت تلك اللحظة ثمرة مسيرة بدأت قبل ذلك بثلاثة عقود، حين استعاد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود الرياض في الخامس من شوال 1319هـ الموافق 15 يناير 1902م، لتنطلق بعدها رحلة طويلة من توحيد مناطق البلاد، وصولًا إلى إعلان المملكة دولةً موحدة عام 1351هـ.

ولم يكن التوحيد مجرد جمعٍ للأرض تحت راية واحدة، بل كان بداية مشروع لبناء دولة مستقرة، وترسيخ مؤسساتها، وصناعة هوية وطنية تجمع أبناءها على أرض واحدة، وتحمل في جذورها تاريخًا عميقًا وقيمًا راسخة.

وتحمل المملكة خصوصية لا تشبهها فيها كثير من الدول؛ فهي أرض مكة المكرمة والمدينة المنورة، وقبلة المسلمين ومدينة المصطفى ﷺ. ومنذ تأسيس الدولة، ارتبط بناء المملكة بمسؤولية عظيمة تجاه الحرمين الشريفين وضيوف الرحمن، وظلت خدمتهما والعناية بهما جزءًا أصيلًا من مسيرتها.

ومع مرور العقود، لم يكن بناء الوطن مقتصرًا على مؤسسات الدولة ومشروعاتها، بل امتد إلى الإنسان نفسه. أجيال تعاقبت، وعائلات عاشت تحولات المملكة مرحلة بعد أخرى؛ من بدايات الدولة إلى اتساع المدن، وتطور التعليم والصحة والخدمات، وصولًا إلى واقع جديد تتسارع فيه فرص العمل والتنمية والابتكار.

اعلان

وفي هذا الوطن، تشكل المجتمع عبر سنوات طويلة من الاستقرار والعمل المشترك، فأصبح المواطن والمقيم شريكين في تفاصيل الحياة اليومية، يجمعهما احترام المكان والإسهام في بنائه. وظلت الوحدة الوطنية، بما تحمله من تماسك وتنوع، أحد أهم ملامح التجربة السعودية.

ومع تعاقب الملوك، واصل الوطن مسيرته. جيل يسلم الراية إلى جيل، وكل مرحلة تبني على ما قبلها. فتحولت المملكة خلال عقود من دولة ناشئة في مساحة واسعة من الجزيرة العربية إلى دولة ذات حضور إقليمي ودولي، واقتصاد مؤثر، ومشروعات تنموية غيرت ملامح الحياة في مختلف مناطقها.

وفي محيطها العربي والإسلامي، حافظت المملكة على روابطها التاريخية والثقافية والدينية، وظل حضورها مرتبطًا بمكانتها في العالمين العربي والإسلامي، وبعلاقاتها مع الدول والشعوب التي تجمعها بها روابط ومصالح مشتركة.

واليوم، في اليوم الوطني السعودي السادس والتسعين، تتجدد قراءة هذه المسيرة. فالمملكة لا تنظر إلى ما تحقق باعتباره نهاية الطريق، بل تنطلق منه نحو مرحلة جديدة، تتسارع فيها التحولات في الاقتصاد والمجتمع والثقافة والتقنية، في ظل رؤية السعودية 2030 التي تفتح مجالات أوسع للتنمية والابتكار وجودة الحياة.

وهنا تبدو قصة المملكة أكثر من تسلسل لأحداث تاريخية؛ إنها مسيرة متصلة بدأت بوحدة الأرض، ثم امتدت إلى بناء الدولة والإنسان، وتتجدد اليوم بطموح جيل جديد يحمل إرث وطنه وينظر إلى مستقبله بثقة.

من 23 سبتمبر 1932 إلى 23 سبتمبر 2026، تغيرت السنوات واتسعت المدن وتبدلت ملامح الحياة، لكن المعنى الذي جمع الوطن في بدايته ظل حاضرًا: وحدةٌ تصنع القوة، وقيمٌ تحفظ الهوية، وطموحٌ يدفع المسيرة إلى الأمام.

وهكذا يبقى اليوم الوطني مناسبة لاستحضار قصة وطن توحد، لا للوقوف عند الماضي، بل للاحتفاء بمسيرة مستمرة؛ وطنٍ يعتز بجذوره، ويخدم مقدساته، ويحافظ على روابطه العربية والإسلامية، ويبني حاضره بعينٍ على مستقبل أوسع.

وفي هذه المناسبة الوطنية، نرفع أصدق التهاني والتبريكات إلى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وإلى صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، وإلى الشعب السعودي الكريم، سائلين الله أن يحفظ مملكتنا، ويديم عليها أمنها واستقرارها، ويبارك مسيرتها، ويحقق لها مزيدًا من الرفعة والازدهار.

كل عام والمملكة وطنًا عزيزًا موحدًا، وكل عام وأبناؤها يستظلون براية واحدة، ويواصلون معًا مسيرة وطنٍ بدأت بالتوحيد، وتستمر بالبناء، وتمضي بالطموح نحو المستقبل.

عزنا بطبعنا.

كتبه : عبدالله بن سليمان الرويثي.

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى