تتسلل إلى النفس أفكار فلسفية عميقة تلامس أوتار الوجدان، فتربط الإنسان بالكون الفسيح من حوله عبر رباطٍ خفيّ من التشارك الشعوري بين الكائنات والجمادات. وأعتقد أنها فكرة أصيلة تجذرت في الأدب والثقافة والدين، وفي شتى النظريات الوجدانية العامة.
حين نتأمل مليًّا نجد أنفسنا أمام مقاربة دقيقة؛ إذ نستعير كلمة «الأنين» لنعبر عن معاناة الجبل، وكلمة «الحنين» لنصف شوق الجمل، مقارنين ذلك كله بمعاناة الإنسان وأحزانه.
فالجبل، وإن بدا للعين جمادًا صامدًا قويًا، إلا أنه يخضع – في فلسفة المعنى – لضغوط هائلة لا تنقطع؛ بدءًا من الزلازل والبراكين، مرورًا بعوامل التعرية والمناخ القاسي، وصولًا إلى ثقل الزمن وتعاقب الدهور التي نحتت كيانه.
أما الحيوان، الجمل، فهو في ثقافتنا العربية مثال بديع، ورمز خالد للوفاء والحنين. ومن المعروف أن للإبل أصواتًا دافئة تُعرف بـ «الرزام»، وهو صوت حنين الناقة إلى فصيلها أو إلى أصحابها. وإن أخطأنا في هذا الوصف فليصحح لنا أهل الإبل والخبرة، ويكفينا شاهدًا تلك القصص المتواترة عن إبل ماتت كمَدًا وحزنًا على فراق أصحابها.
صحيح أن الحيوان لا يعاني المنغصات الفكرية والعقلية المعقدة التي يرزح تحتها الإنسان، لكنه يكابد معاناة عاطفية صادقة، كالفقد والارتباط بالمكان والرفقة، وهي معاناة نقية؛ لأنها غريزية، مجردة من التكلف والرياء الذي قد يدعيه الإنسان.
الإنسان… جامع الأنين والحنين
وسط هذه المنظومة الكونية البديعة يقف الإنسان جامعًا للاثنين؛ فإذا كان الجبل يئن، والجمل يحنّ، فإن الإنسان هو وعاء الآلام كلها؛ يحمل الأنين والحنين معًا، ولكن بوعيٍ أكبر، وإدراكٍ أعمق لكل ما يدور حوله.
ويكمن الفارق الجوهري في أن الإنسان يعي معاناته، ويحللها، وربما استطاع أن يتجنب بعض أسبابها، فتتحول هذه المنغصات إلى هموم نفسية وفكرية مركبة.
ولو تأملنا وسائل التعبير، لوجدنا أن الإنسان يمتلك اللغة والبيان وأدوات الإفصاح، بينما يمتلك الجبل الصدع والثوران وفق السنن الكونية، ويسكب الجمل حنينه في صوتٍ شجي ودمعٍ رقيق.
وفي النهاية، يدرك الإنسان أنه ليس وحيدًا في هذا التعب والنصب، بل هو جزء أصيل من هذا الانسجام الكوني القائم على الصبر والمكابدة. فللكون أيضًا آلامه ومنغصاته التي تتناغم – كلٌّ وفق سننه – مع رحلة الإنسان في هذا الوجود الفسيح، فسبحان الله العظيم.














