/
/
تحت الرماد: قراءة في طبقات “بركان الحوثي” الذي أحرق الدولة

تحت الرماد: قراءة في طبقات “بركان الحوثي” الذي أحرق الدولة

Picture of بقلم _ عبدالحميد ابن سعيد المالكي

بقلم _ عبدالحميد ابن سعيد المالكي

عند الحديث عن اليمن اليوم، لا يمكن للمرء أن يصف المشهد إلا وكأنه ينظر إلى مدينة قامعة حاولت التعايش مع بركان خامد لسنوات، ثم فاجأها بانفجار هائل قلّب طبقات الأرض وأحرق الأخضر واليابس. هذا البركان هو جماعة “أنصار الله” (الحوثي)، التي لم تكن مجرد تمرد عابر، بل كانت قوة هدامة استغلت هشاشة الأرض اليمنية لتُحدث شرخاً زلزالياً في جسد الدولة والنسيج الاجتماعي.
لم تعد قضية الحوثي مجرد معضلة سياسية أو أمنية عابرة؛ إنها طبقات من الغضب المسلح، والتبعية الإقليمية، والانتهازية التاريخية، والتدخلات الخارجية، التي تلخصت في مشهد واحد: تحويل اليمن من دولة فقيرة لكنها متماسكة إلى أكبر كارثة إنسانية في العالم. فكيف تشكلت هذه الطبقات البركانية، ولماذا لا يزال حممها يتدفق رغم كل محاولات الإخماد؟
الطبقة الأولى: اللهيب القبلي.. احتراق النسيج الاجتماعي
انطلق البركان من جبال صعدة، معتمداً على تماسك قبلي ضيق لا يتجاوز 7% من السكان. لكن اللهيب لم يبق محصوراً هناك؛ إذ استخدمت الجماعة هذا العمق القبلي كوقود لاقتحام المدن الكبرى. وهنا كانت الكارثة الأولى: تحويل الصراع من مطالب إصلاحية إلى حرب طائفية ومناطقية، مما أشعل فتيل الانقسام الداخلي ومزق النسيج الاجتماعي اليمني الذي ظل متماسكاً لقرون.
الدمار هنا لم يكن مادياً فقط؛ بل كان نفسياً واجتماعياً. العائلات اليمنية التي كانت تجمعها المصاهرة والتجارة، وجدت نفسها مقسمة بين “معسكر الشرعية” و”معسكر الانقلاب”. هذه الطبقة البركانية هي الأخطر، لأنها زرعت بذور العداوة التي ستحصد اليمن ويلاتها لعقود، حتى لو توقف القتال غداً.
الطبقة الثانية: اغتيال الدولة.. كيف استغل الحوثي الفراغ وأجهز على مؤسسات اليمن؟
لم يكن انفجار البركان الحوثي وليد لحظة عابرة، بل سبقه زلزال سياسي هائل تمثل في انهيار الدولة المركزية بعد ثورة 2011. ففي غياب مؤسسات قوية قادرة على حماية نفسها، وجد الحوثي فراغاً هائلاً يشبه الجرح المفتوح في جسد الأمة. وهنا كانت اللحظة الحاسمة: لم يكتفِ الحوثي بالدخول إلى صنعاء عام 2014، بل تسلل إلى عصب الدولة ذاته، مستغلاً كل نقطة ضعف في الجسد الوطني، وكالسرطان الذي يبدأ خاملاً ثم ينتشر في كل خلية سليمة.
كيف تحوّل إلى سرطان عضال؟
الحوثي لم يأتِ كغزاة يحرقون ويذهبون، بل كـ”طفيليات” تعلق بشرايين الدولة وتمتص دماءها. بدأوا بالسيطرة على المؤسسات السيادية الواحدة تلو الأخرى: الجيش تحول من جيش وطني يدافع عن التراب اليمني إلى أداة طائفية لحماية مشروع الهيمنة. البنك المركزي، الذي كان عماد الاقتصاد اليمني، أصبح آلة لطباعة العملة دون أي غطاء، مما أدى إلى انهيار الريال وفقدان المواطنين مدخراتهم التي بنوها طوال أعمارهم. الموانئ، بوابات الغذاء والدواء، تحولت إلى ثكنات عسكرية ومصادر تمويل للحرب، مما عمّق أزمة الجوع التي طالت الملايين.
ماذا أنتج هذا الاغتيال المؤسسي؟
· انهيار اقتصادي غير مسبوق: انكمش الناتج المحلي بأكثر من 50%، وفقد ملايين اليمنيين وظائفهم، وارتفعت معدلات الفقر إلى مستويات قياسية، وأصبح اليمن واحداً من أفقر دول العالم.
· أزمة إنسانية هي الأكبر عالمياً: أكثر من 21 مليون يمني بحاجة إلى مساعدات إنسانية، ونحو 4 ملايين نازح داخلي يعيشون في خيام ومخيمات، بعد أن كانت بيوتهم وأحياؤهم مسرحاً للقتال.
· تفكيك مؤسسات الدولة: تحولت الوزارات والمؤسسات العامة إلى مكاتب لخدمة الحوثي وقادته، وطُرد الكفاءات واستُبدلوا بموالين دون كفاءة، مما أفقد الدولة قدرتها على تقديم أبسط الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم.
الجريمة بحق اليمن:
ما فعله الحوثي لم يكن مجرد انقلاب عسكري، بل كان انتحاراً بطيئاً للدولة. استغلوا ضعف اليمن ليكرسوا قوتهم، واستبدلوا مؤسسات الدولة بآلة حرب لا تعرف إلا التدمير. الأدهى أنهم حولوا اليمن من بلد يطمح إلى بناء مستقله إلى دولة فاشلة بأتم معنى الكلمة؛ حيث غابت الدولة، وحضرت الميليشيات، وضاع الأمن، وتعمق الجوع، وكأنهم يريدون أن لا يبقى من اليمن سوى اسمه في دفاتر التاريخ.
الطبقة الثالثة: الحمم الخارجية.. العلاقة الإيرانية والصراع بالوكالة
ما زاد الطين بلة هو أن هذا البركان لم يكن محلياً بحتاً؛ بل وجد من يضخ الغاز فيه من الخارج. ارتباط الحوثي بإيران كواحدة من وكلائها في المنطقة، حول اليمن من ساحة صراع داخلي إلى جبهة إقليمية مفتوحة. إيران لم تكتفِ بالدعم المالي، بل زودت الجماعة بصواريخ باليستية وطائرات مسيرة، جعلتها قادرة على تهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر، واستهداف أراضي جيرانها.

لكن اليمن هو من دفع الثمن الأغلى؛ تحولت مدنه إلى قواعد عسكرية، واستُخدمت موانئه كورقة ضغط في مفاوضات لا علاقة للشعب اليمني بها. هذا التوظيف الإقليمي للبركان هو ما جعل إخماده مستحيلاً، لأن كل طرف يحاول استخدام الحمم لتحقيق مكاسب خارج حدود اليمن. والأسوأ أن الحوثي يُقايض في أي صفقة كبرى، مما يجعل مستقبل اليمن مرهوناً باتفاقات قد تُبرم في فيينا أو الرياض، دون النظر إلى مصير اليمنيين الذين يحترقون يومياً.
الطبقة الرابعة: السد السعودي.. درع الجزيرة وثقل المعادلة
في مواجهة هذا البركان الممتد، برز الدور السعودي كأحد أهم عناصر المعادلة، بل كالسد الذي يحاول احتواء الحمم قبل أن تصل إلى قلب الجزيرة العربية. منذ تدخل تحالف دعم الشرعية عام 2015، لم تكن الرياض تتصرف فقط كقوة إقليمية تحمي مصالحها، بل كدولة تدرك أن استقرار اليمن هو مرآة لأمنها القومي.
لماذا يعد الدور السعودي محورياً؟
1. الأمن القومي والجغرافي: اليمن هو العمق الاستراتيجي للمملكة، بحدود تمتد لأكثر من 1300 كيلومتر. صواريخ الحوثي وطائراته المسيرة التي استهدفت أراضي المملكة، لم تكن مجرد عدوان عابر، بل محاولة لتغيير قواعد اللعبة الإقليمية، وهو ما جعل الرياض تتحمل عبء الدفاع عن أراضيها وعن الشرعية اليمنية في آن واحد.
2. العبء الإنساني والاقتصادي: المملكة لم تكتفِ بالدور العسكري، بل كانت ولا تزال أكبر مانح للمساعدات الإنسانية لليمن، حيث تجاوزت التزاماتها المالية نحو 20 مليار دولار. كما أنها احتضنت مئات الآلاف من اليمنيين على أراضيها، ووفرت لهم التعليم والعلاج والعمل، في مشهد يعكس الجانب الإنساني لدورها إلى جانب الجانب العسكري والسياسي.
3. الوسيط الإقليمي: الرياض باتت الراعي الأساسي لأي تسوية سياسية، سواء عبر مبادراتها المتكررة لوقف إطلاق النار، أو من خلال احتضانها للحوارات اليمنية-اليمنية.
الطبقة الخامسة: الرماد المتساقط.. تراجع النفوذ لكن بثمن فادح
اليوم، يبدو البركان وقد هدأ قليلاً؛ نفوذ الحوثي انكمش، وموانئه ومطاراته مُقيدة، وقياداته مختبئة تحت الأرض، والضربات الدولية والتحالفية توجهت إلى قلبه العسكري. لكن هذا التراجع لا يعني أن الخطر زال؛ فالرماد المتساقط لا يزال خانقاً، والمعاناة الإنسانية بلغت مستويات قياسية.
نصف السكان يعانون الجوع الحاد، وملايين النازحين يعيشون في مخيمات، والبنية التحتية دُمرت بالكامل في مدن مثل تعز ومأرب والحديدة. الحرب تسببت في خسائر تجاوزت 150 مليار دولار، ودفعت بأجيال كاملة إلى هوة الفقر والجهل. هذا الدمار الهائل هو الحصاد المرير لهذا البركان؛ فالجماعة التي بدأت كحركة صغيرة، تركت وراءها خراباً لا يُوصف، وأضحت البلاد أقرب إلى دولة فاشلة منها إلى دولة قابلة للحياة.
لماذا لا يخمد هذا البركان؟ وهل يدرك خطر الانهيار النهائي؟
الإجابة تكمن في عقلية الحوثي نفسه. فهو يرى في الجمود الحالي فرصة للبقاء، ويعتقد أن التمسك بكل السلطة هو الضمان الوحيد لاستمراره. لكن هذا الإصرار يشبه من يقف فوق فوهة بركان يظن أنها ستنفجر لمنفعه وحده؛ فالواقع يقول إن استمرار الهيمنة سيعني استمرار العزلة الدولية، وتآكل القاعدة الشعبية، وربما تفكك الجماعة من داخلها بسبب الأزمات المعيشية والخلافات القيادية.
الحل السياسي الذي يضمن مشاركة الجماعة دون هيمنة هو المخرج الوحيد، لكنه يتطلب جرأة من الحوثي لتقديم تنازلات حقيقية، كما يتطلب من المجتمع الدولي – وعلى رأسه السعودية – تقديم ضمانات للجميع، لا أن تبقى اليمن ساحة لتسوية الحسابات.
الخاتمة: اليمن أكبر من أن يموت تحت رماد عابر
قضية الحوثي هي درس قاسٍ في كيفية تحويل أزمة سياسية إلى كارثة وجودية. اليمن الذي كان يُعرف بابتسامته وتاريخه العريق، أصبح اليوم مرادفاً للمعاناة والجوع. البركان الحوثي لم يدمّر جدران الدولة فحسب، بل حطم أحلام جيل كامل في حياة كريمة. وفي خضم هذا الدمار، يقف الدور السعودي كعنصر فاعل لا يمكن تجاهله، بل كشريك أساسي في أي معادلة مستقبلية.
إذا أراد الحوثي البقاء كفاعل سياسي في المستقبل، فعليه أن يُدرك أن حكم اليمن بالقبضة الحديدية ليس خياراً مستداماً، وأن المشاركة في بناء دولة مدنية هي الطريق الوحيد لضمان عدم اندلاع بركان آخر يلتهم ما تبقى. أما إذا استمر في مغامرة الهيمنة، فقد لا يبقى له ولا لليمن شيء يذكر.
لكن اليمن، بتاريخه العريق وصبر أبنائه، أكبر من أن يموت تحت رماد جماعة عابرة في جيشان التاريخ. سيأتي يوم يطوى فيه هذا الملف الثقيل، وتبقى اليمن بأرضها وإنسانها، لأن الحضارة اليمنية صنعت نفسها ألف مرة قبل اليوم، وستفعلها مرة أخرى. الرماد مهما كثف، فهو مؤقت، واليمن للأبد

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى