/
/
انتهى يوم الأب… وبقي حقه

انتهى يوم الأب… وبقي حقه

Picture of بقلم _ عزيز معزي بن عدلة

بقلم _ عزيز معزي بن عدلة

انقضى يوم الأب وطُويت معه بطاقات التهنئة وخفتت العبارات التي ازدحمت بها الشاشات وعادت الأيام إلى سيرتها الأولى. غير أن الأب لم يكن يومًا عابرًا في التقويم ولا مناسبة موسمية تُستدعى في موعد ثم تُودَّع بانقضائه. فالأب معنى يمتد في العمر ويد خفية تسند البيت كلما مالت به الحياة وظهر يتلقى قسوة الأيام كي تظل ظهور أبنائه آمنة مطمئنة.

انتهى يوم الأب لكن حقه لم ينتهِ. لأن الحقوق العظيمة لا تستوفيها رسالة عابرة ولا صورة تُنشر ولا كلمات تُقال على عجل. فحق الأب أكبر من يوم وأبقى من مناسبة وأعمق من أن تحيط به العبارات مهما بلغت من الفصاحة والبيان.

الأب هو ذلك الرجل الذي يتقدم في العمر بصمت بينما يكبر أبناؤه بما اقتطعه من راحته وعافيته. يخرج في أول النهار محمّلًا بهموم بيته ويعود في آخره متعب الجسد لكنه يحرص على أن يبدو أمام أبنائه قويًا كأن التعب لا يعرف إليه طريقًا. وربما أخفى ضيقًا في صدره كيلا تضيق صدورهم وأرجأ حاجته حتى يقضي حاجاتهم ولبس القديم ليكسوهم الجديد وابتسم في وجوههم حين كانت الحياة تضيق به.

نرى آثار السنين على وجه الأب ولا نرى الليالي التي صنعت تلك الآثار. نرى الشيب في رأسه ولا نعرف كم همًّا أقلقه من أجلنا وكم خوفًا أخفاه وكم مرة وقف بيننا وبين قسوة الحياة فتلقاها وحده ولم يخبرنا.

والأب في كثير من الأحيان لا يحسن الحديث عن محبته. لأنه تربى على أن الرجال يعملون أكثر مما يقولون. قد لا يكرر كلمات العاطفة لكنه يترجمها في موقف وفي سعي وفي تضحية وفي باب يظل مفتوحًا مهما أغلقت الدنيا أبوابها. فمحبة الأب لا تُقاس بكثرة الكلام بل بما أنفق من عمره وما بذل من جهده وما تنازل عنه لتستقيم حياة أسرته.

اعلان

وما أقسى أن ننتبه إلى قيمة الأب بعد أن يضعف صوته أو يثقل مشيه أو يخلو مكانه. فبعض الأبناء لا يعرفون مقام الأب إلا حين يغيب ولا يشعرون بدفء ظله إلا حين يفقدونه. وعندها تتحول الكلمات المؤجلة إلى حسرة والزيارات المؤجلة إلى ندم والاعتذار الذي لم يُقَل إلى وجع لا يداويه الزمن.

وليس من البر أن نقول «كان أبي يعلم أنني أحبه». بل البر أن نجعل هذا الحب مرئيًا في حياتنا بسؤال صادق وزيارة لا تدفع إليها مناسبة وجلوس لا تقطعه الهواتف وإنصات إلى حديث ربما سمعناه مرارًا لكنه عنده بعض من ذاكرته وكرامته وحاجته إلى الأنس.

إن كان الأب حيًا فليكن له من أبنائه نصيب من وقتهم قبل أموالهم ومن قربهم قبل هداياهم ومن رفقهم قبل كلماتهم. وإن كان قد رحل فلا يزال باب الوفاء مفتوحًا بالدعاء له والصدقة عنه وصلة رحمه وحفظ اسمه ومآثره والسير بين الناس بما يشرّف ذكراه.

انتهى يوم الأب ولكن الأبوة لا تنتهي بانتهاء يوم وحق الأب لا يسقط بانطفاء مناسبة. فالأب ليس تاريخًا في الروزنامة بل تاريخ أسرة بأكملها. وليس شخصًا يقف في طرف الصورة بل هو في كثير من الأحيان من صنع الصورة كلها ثم رضي أن يقف بعيدًا.

فيا من لا يزال أبوه حيًا لا تؤجل بره ولا تبخل عليه بصوتك وقربك وامتنانك. فإن الأيام تمضي سريعًا وما نملكه اليوم قد يصبح غدًا ذكرى نتمنى لو عادت.

لقد انتهى يوم الأب… وبقي حقه. وسيبقى ما بقي في القلوب وفاء وفي النفوس مروءة وفي الأبناء شيء من العرفان.

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى