/
/
محطات من عمر الزمان

محطات من عمر الزمان

Picture of بقلم _ عائض الشعلاني

بقلم _ عائض الشعلاني

إن الذاكرة ليست مجرد مخزن للأحداث بل هي المعمل الذي تُصقل فيه أرواحنا حين ألتفتُ اليوم إلى الوراء أجدني أمام لوحةٍ رسمتها أقدار الله بين مدينتين وباديتين بين “دمام” التجارة والبدايات وبين “باحة” الجمال والجذور ،، هي رحلةٌ تبدأ بدمعةِ طفلٍ في مدرسته وتنتهي بابتسامةِ رجلٍ يستعيدُ عبق الماضي خلف “شنطة حديدية” ملونة .
صباح “الفلكة” البارد لا تزال حرارة تلك الصفعة تسكن ذاكرتي دخل وكيل المدرسة بصرامته المعهودة ودون سابق إنذار هوى بكفّه على وجهي الصغير ليدخلني في نفقٍ من الذعر والذهول. ” انزل تحت إلى الإدارة ” قالها ومضى وقلبي يكاد يسقط من فرط الخفقان في تلك اللحظة لم أتمنَّ سوى حضور والدي لكنني كنتُ وحيداً أمام “الفلكة” الشرسة .
ثبتَ جُرمي الصغير عبثٌ بالطاولات والكراسي بالفصول وشخابيط على السبورة” وشيئُ من شقاوة الصغار وفي طابور الصباح وأمام أعين الطلاب مُددتُ على ظهري في برد الصباح القارس لتنهال العصا الغليظة على قدميّ بلا رحمة صرختُ وناديتُ الأحياء والأموات حتى بح صوتي وبقي ألمي حبوتُ زحفاً نحو فصلي وأخفيتُ وجعي عن والدي لثلاثة أيام فالهيبة التي كانت تملأ بيتنا جعلتني أتجرع مرارة “الفلكة” صمتاً و خوفاً من ضربةٍ أخرى من يدِ والدي تجعلني “على الصراط” شهوراً .

“الطير” الواشي وقوارير الشاني
لكن ذلك “الأب المهيب” كان يحمل في كفه حكمة المربي و في متجره القديم بحي ” البادية ” بالدمام كنتُ وأختي رفاقه في التجارة كمساعدين له و ليضمن بقائنا حوله ثم يضع لنا عصيرات وبسكوتات لنأكلها عند الحاجة كان يحذرنا من المشروبات الغازية حرصاً على صحتنا ويقول بيقين “تراي أدري لو شربتوها الطير يعلمني ” وفي لحظة براءة طفولية شربنا “الشاني” خفيةً خلف الثلاجة بعيداً عن أعين “الطير”. لكنَّ الوالد عاد باكتشافه العبقري “ليه شربتم الشاني الطير جاني وعلمني ” لم نكن نعلم أن “صبغة التوت” على أفواهنا كانت هي “الطير” الذي لا يخون ،، هناك تعلمتُ أن الصدق ليس مجرد كلمة بل هو عهدٌ لا يُنكس والتزمنا به حباً في ذلك الرجل الذي كان يربينا بالهيبة لا بالقسوة .
نحو ” العقيق “ورحلة الشنطة الكويتية
في عام 1397هـ، انطلقتُ مع والدي في رحلةٍ نحو الجذور نحو “الديرة” في بلاد غامد وزهران انذاك كان الطريق بدائياً وكنتُ أنام بجانب والدي الذي كان يحيطني بحرصٍ فاق الوصف .
وصلنا إلى “العقيق” حيث الطبيعة البكر والناس الذين يسكنهم التسامح .
كانت وجهتنا عند عمتي “عيدة” رحمها الله أخت والدي وعزوته التي كان ينتخي بها “أخو عيدة”.
حملنا لها هدايا المغتربين في “شنطة حديد كويتية” زاهية الألوان كانت هي “موضة” العصر أخرج والدي الراديو والمكاحل، والعطور، والأقمشة، لتختلط رائحة الهدايا برائحة المطر وجريان الوادي الذي كان ينساب طوال العام .
رأيتُ هناك كفاح النساء الشامخات يجززن الصوف، ويحلبن الأغنام، ويصنعن بيوت الشعر عشتُ أياماً مدهشة بين “جذب الماء” من الاودية وجمع الحطب، وبين مجالس الرجال التي لا يملّ فيها السمر والقصص والحكايات كانت حياةً صعبة بظروفها، لكنها كانت جنةً بنفوسها .
خاتمة
هذه المحطات الثلاث هي التي صاغت إنسان اليوم فبين “قسوة الوكيل” التي علمتني الصبر، و”ذكاء الأب” الذي علمني الرقابة، و”بساطة الديرة” التي علمتني الجمال؛ أدركتُ أنَّ الماضي ليس مجرد زمنٍ مضى بل هو روحٌ تسكننا ونستمد منها الدفئ كلما قست علينا برودة الحاضر .

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى