من سواحل مدينة الدمام إلى مدينة عقيق النخل “هجرة العقيق” عام 1395هـ كانت بداية الرحلة عام 95 تقريباً للهجرة ولأول مرة في حياتي وجدتُ نفسي وحيداً مع والدي في رحلة نحو “الديرة” (بلاد غامد) كما كان يُنادى بها في تلك الفترة كانت الدنيا في بداياتها والطرق معبدة بشكل بدائي بمسار واحد أتذكر كيف قضيتُ الوقت نائماً بجانب والدي وهو يحيطني بحرص الأب يتفقدني في كل وقت
ولم أعلم كم قضينا من الوقت في ذلك الطريق حيث إننا كنا نتوقف عند كل مقهى يتواجد فيه “الشيشة” كما كانت تُسمى، ولم يكن التسويق حديثاً بل كان منذ ذلك الزمن حيث كان الأكل والشراب والشيشة تُعطى مجاناً لسائقي السيارات الذين يحملون الركاب فيمكثون بالساعات حتى يتفضل علينا السائق بركوب السيارة ،، رغم أنهم يدفعون له المال مقابل الخدمة لأن السائقين كانوا نادرين ويُتعامل معهم كما هو الحال مع كابتن الطائرة اليوم كل ذلك ما زال عالقاً في ذاكرتي .
المهم عند وصولنا للباحة تغير المشهد تماماً الطريق نحو العقيق كان ترابياً وعراً حيث ركبنا مع سائق آخر لكننا كنا مستمتعين برغم تلك الصعوبات وصلنا إلى “هجرة العقيق” وهي مبتغانا وهدفنا وكانت بدائية جداً ولكنها جميلة حيث المزارع والنخيل والأشجار لتوفر المياه بها لأنها تقع على ضفاف وادٍ جميل (وادي الأصفى) كان يجري بالماء الصافي على مدار العام في مشهد جميل ورائع لا يغيب عن مخيلتي .
كان نزولنا الأول عند عمتي “عيدة” رحمها الله في البادية ” البر ” وهي أخت والدي الوحيدة وعزوته التي إذا حزبه أمرٌ قال بنخوة العرب الأقحاح “أنا أخو عيدة”حمل لها هدايا في شنطة حديد كويتية ملونة كانت هي موضة ذلك الزمان أتذكر ألوانها اللامعة وهي مليئة بالأقمشة والعطور والقهوة والهيل وحلويات الزمن الجميل لم تكن مجرد شنطة بل كانت صندوقاً كبيراً لا يستطيع تحريكه إلا أشخاص أقوياء أخرج والدي هدية خاصة لعمتي أتذكر ذلك جيداً راديو ليؤنس وحدتها وعطورات ومكحلة للعيون ومرايا دائرية زاهية وأشياء أخرى عشنا هناك قرابة 15 يوماً أو أكثر ،، رأيتُ فيها جمال الأنفس قبل جمال الطبيعة الخضراء رغم قساوة الحياة عليهم حيث البساطة والتسامح والوفاء والوئام هو العامل المشترك بين الناس .
في ذلك المكان رأيتُ كفاحاً لم أعهده في المدينة؛ بيت من الشعر لا وجود فيه للعمالة، بل هم من يقومون بكل شيء. رأيتُ النساء يتمتعن بجمالٍ فطري وزيٍّ شعبي مذهل لم تره عيني من قبل، يخرجن للرعي والحلب ويجززن صوف الغنم ليصنعن منه بيوت الشعر. كانت الأمطار لا تتوقف والأودية تجري والألبان والسمن والمضير ( الإقط ) متوفرة بكثرة تفوق الخيال.
كنت أتجول مدهوشاً بصغار الأغنام وأصواتها بينما تلازمني عمتي كظلي، تأخذني معها لجذب الماء من الوادي (الحسو) أو لجمع الحطب من هنا وهناك، وأحياناً لحلب الشياه متعجباً بها. أما والدي فكان يتنقل بي في “مناسبات الجماعة” من فطور وغداء وعشاء؛ حيث يجتمعون لساعات طوال يتضاحكون ويتسامرون ويحكون الحكايات بلا ملل ولا همّ، في حياة كانت تختلف تماماً عن حياة المدينة.
ما زالت تلك الذكريات راسخة في أعماق ذاكرتي بكل تفاصيلها الدقيقة؛ فكيف تغيب عن ابن المدينة تفاصيلُ حياة القرى والهجر والبوادي لقد أعجبتني تفاصيلهم، وكانت حياتهم في غاية الجمال رغم قسوتها.
وكنتُ الوحيد بين أقراني ومن هم اكبر مني هناك و الذي ينعم بحياة أفضل فلي لباسٌ خاص ومأكلٌ خاص ومأوى جميل أنام فيه ورغم ذلك كنت أفتقد الماء البارد إلا ما تجود به ،،القِرَب ،، وأحنّ إلى شاشة التلفاز
كنت مستمتعاً بوقتي حينها في وقتٍ كانوا هم يشقون فيه بحياتهم إذ انشغلتُ بمتابعة حياة البادية على طبيعتها البكر وعشت تفاصيلها كاملة .
بعد انقضاء تلك الأيام عدنا إلى مدينتنا الجميلة الدمام “حي البادية” ولكن الوالد رحمه الله عاد بوجهٍ غير الوجه الذي ذهب به ،، اندلع حوارٌ هادئ وعميق بين والدي ووالدتي انذاك كان والدي مسحوراً بالخضرة والأمطار وتغير أحوال الناس في الديرة و يحدوه شوقٌ عارم للعودة لكن والدتي بذكائها و حذقها كانت تذكره بمرارة “الفقر والحاجة” التي دفعتهم للهجرة للشرقية قديماً قالت له بوضوح “لا تقلب ظهر المجن وتنكب رزقك ياسعد “محذرةً إياه من التضحية باستقرارنا في المدينة خلف عاطفة الحنين ،، لكن والدي كان يخبئ سراً آخر رغبةً في الزواج والارتباط مجدداً بجذور الأرض .
شددنا الرحال مرة أخرى نحو “العقيق” في إجازة الصيف لكن هذه المرة لحضور زواج والدي (المرسام). في زمن كانت فيه البساطة هي سيدة المواقف لم يكن الزواج مجرد مناسبة عابرة تنتهي بليلة واحدة بل كان مشروعاً تكافلياً تشترك فيه القبيلة بأكملها حضرت مع والدي رحمه الله زواجه الثاني ورأيت بعيني طفولتي كيف يصنع الفرح من العدم بمطرقة التعاون وسندان الوفاء فبدأت استعدادات ورشة التجهيز قبل اليوم الموعود بأيام فاشترينا خيمة العروس التي ستكون عش الزوجية المؤقت وفرشناها ببساطة بـ “بزولية” أو اثنتين وأتذكر جيداً الشنط الحديدية ذات الألوان الزاهية التي كانت تُحفظ فيها مصوغات العروس وأشياؤها الخاصة من المرتعشة والبناجر والخواتم والأقمشة والعطورات مثل عطر “أبو طير” الذي كان موضة تلك الفترة بالإضافة إلى القنع والمعاصب ذات الألوان الزاهية الصفراء والحمراء والأقمشة النسائية المزركشة والمطرزة .
وفي الخارج كان العمل لا يتوقف ما بين جلب للأغنام وجمع لأكوام الحطب لطبخ الذبائح في حالة استنفار مبهج يسكن كل ركن في الهجرة والبادية ومن أجمل مشاهد ذلك الزواج ما يسمى “المرسام” حيث يقوم الجماعة والجيران والأقارب و بقلب رجل واحد يجمعون القدور الكبيرة والصحون والدلال والبراريد من كل بيت فلم يكن المتزوج يملك كل هذه الأدوات بل كان كل بيت في الديرة هو المخزن المساند له .
وفي يوم المرسام تتجلى قيمة “الرفد”وهي المعونة التي يقدمها الأقارب للمتزوج فيأتي كل رجل من الجماعة يقود خروفاً بيده ومعه نصيبه مما يسمى “الأرزاق” من السكر والشاي والقهوة والطحين والهيل والأرز وهذه الأرزاق حين تُجمع لا تكفي لليلة العرس فحسب بل كانت تشكل مؤونة تكفي الزوج وأهله لأشهر طويلة وربما لسنة كاملة فقد كان نظاماً اقتصادياً فطرياً يضمن بداية حياة كريمة للمتزوج دون ديون .
فحين يشدو الرجال والنساء في هذا “المرسام” فقد يمتد الفرح قرابة عشرة أيام مناصفة ماقبل الزواج ومابعده تخللتها الألعاب الشعبية والأهازيج وحل الألغاز والقصص وكان للسامر مذاقه الخاص صفوف متقابلة صف للرجال وصف للنساء في وقار وعفوية منضبطة يتبارى فيها الشعراء في سمرات تبدأ بعد العشاء وتمتد في أعماق الليل تحت ضوء النجوم وهدوء الوادي .
وبعد عشرة أيام من البهجة قام والدي رحمه الله بتقسيم تلك الأرزاق على من كانت أحوالهم المالية صعبة لأنه كان في تلك الفترة تاجراً وأحواله المادية جيدة ثم حزمنا أمرنا للمسير وغادرنا ريف العقيق وبواديه وانطلقنا بسيارتنا نحو الدمام ولكننا لم نعد أنا ووالدي وحدنا بل كانت معنا الضيفة الجديدة وفي طريق العودة كان يدور في خلدي تساؤل طفل كيف سيكون اللقاء في بيتنا بالشرقية وكيف ستستقبل والدتي هذا التحول الكبير .
عدنا إلى الدمام إلى “حي البادية” حيث بيتنا القديم و كنا ثلاثة والدي وزوجته الجديدة وأنا الصغير الذي يرقب المشهد بصمت استقبلتنا والدتي بوقارها المعهود وهدوئها كانت “المستشار” الذي يلجأ إليه الجميع لحل النزاعات امرأةً اتسمت بالصلاح والاتزان فهيأت المكان لعروس زوجها برقيٍّ قلّ نظيره .
عشنا سوياً بهدوء وتأقلمت “الضيفة الجديدة” مع صخب المدينة عاد والدي لتجارته لكن قلبه ظلَّ معلقاً بجبال العقيق بدأ يحثنا على العودة النهائية للديرة لكن والدتي عارضت الفكرة جملةً وتفصيلاً كانت ترى في الدمام المستقبل والأمان وفي الديرة ذكريات الفقر والحاجة التي لا تود العودة إليها وأمام إصرار والدي “سعد” الذي لا يرجع عن قراره طرح حلاً وسطاً “لن نذهب للعقيق ،، بل سنسكن الطائف”. لم يعد أمام والدتي إلا الموافقة لكنها قالت كلمةً هزت أركان البيت: “والله يا سعد إنك ستندم في وقتٍ لا ينفع فيه الندم”. كانت تلك نبوءة امرأةٍ تبصر ما خلف الغيب
وقع المحظور ،، أصرَّ والدي وباع أملاكه في الدمام قطعتين من الأرض بمساحات شاسعة (توازي أحياءً كاملة اليوم ) باعها لأجل الرحيل خلف سراب الحنين لم يكن يعلم حينها أنه يبيع “مستقبلاً ذهبياً” مقابل العودة للبدايات وهي الغلطة التي لم يغفرها لنفسه في سنواته الأخيرة














