/
/
الخليج حين يدافع عن تاريخه… في مواجهة مشروع الفوضى الإيراني

الخليج حين يدافع عن تاريخه… في مواجهة مشروع الفوضى الإيراني

Picture of هيثم بن أحمد القيسي

هيثم بن أحمد القيسي

 

في منطق التحولات الكبرى في تاريخ الأمم، لا يصبح الدفاع عن الأرض مجرد رد فعل عسكري، بل يتحول إلى دفاع عن فكرة كاملة؛ فكرة الدولة، وفكرة الاستقرار، وفكرة المستقبل.
وهذا تحديداً ما يواجهه الخليج العربي اليوم.
فالتصعيد الإيراني المتكرر تجاه دول الخليج لم يعد مجرد توتر سياسي عابر أو خلاف إقليمي تقليدي، بل أصبح تعبيراً واضحاً عن مشروع يسعى إلى إعادة تشكيل موازين القوة في المنطقة عبر أدوات لا تعترف بمنطق الدولة الحديثة، بل بمنطق الميليشيا والفوضى والهيمنة.
ومن يتأمل المشهد بعمق يدرك أن القضية لا تتعلق بصواريخ تُطلق هنا أو طائرات مسيّرة تُرسل هناك، بقدر ما تتعلق برؤيتين متناقضتين لطبيعة المنطقة نفسها.
هناك في الخليج مشروع واضح المعالم: دول تبني اقتصاداتها، تطور مجتمعاتها، وتستثمر في الإنسان باعتباره رأس المال الحقيقي للمستقبل.
وفي المقابل، يقوم مشروع آخر على تصدير الأزمات، وتغذية الصراعات، وتحويل الجغرافيا العربية إلى ساحات نفوذ مفتوحة.
ولهذا لم يكن غريباً أن تصبح دول الخليج هدفاً دائماً لمحاولات الابتزاز والضغط، فوجود الاستقرار في حد ذاته يشكل إرباكاً لأي مشروع يقوم على الفوضى.
لكن التاريخ يعلمنا درساً بسيطاً:
الدول التي تبني مؤسساتها بوعي، وتؤسس استقرارها على رؤية طويلة المدى، لا يمكن أن تهزمها صواريخ عابرة أو تهديدات عابرة.
لقد أثبتت دول الخليج خلال العقود الماضية أنها ليست مجرد منطقة نفطية في معادلات الطاقة العالمية، بل نموذج لدول عربية استطاعت أن تجمع بين التنمية والاستقرار والانفتاح.
ومن هنا تحديداً تأتي حساسية الموقع الخليجي في الحسابات الإقليمية.
فنجاح هذا النموذج يعني أن المنطقة يمكن أن تُدار بعقل الدولة لا بعقل الثورة والفوضى الدائمة، وهو ما يفسر إلى حد كبير إصرار إيران على اختبار حدود الأمن الخليجي بين الحين والآخر.
غير أن ما يبدو واضحاً اليوم هو أن الخليج لم يعد كما كان قبل عقدين.
لقد تغيرت المعادلات.
وتطورت أدوات الردع.
وتعززت كذلك قدرة دول الخليج على حماية أمنها الاستراتيجي ضمن منظومة إقليمية ودولية أكثر تماسكاً.
ولهذا فإن الرسالة التي تتشكل اليوم في المنطقة ليست رسالة مواجهة بقدر ما هي رسالة توازن.
فالخليج لا يسعى إلى حرب، لكنه في الوقت ذاته لا يقبل أن تتحول جغرافيته إلى ساحة ابتزاز سياسي أو عسكري.
وهنا تتجلى المفارقة الكبرى في المشهد الإقليمي.
ففي الوقت الذي تنشغل فيه دول الخليج ببناء مدن المستقبل، ومشاريع الطاقة النظيفة، واقتصادات ما بعد النفط، لا يزال المشروع الإيراني أسير معادلات قديمة تقوم على توسيع النفوذ عبر الفوضى.
غير أن التاريخ، كما يقول المفكرون، لا يقف طويلاً مع المشاريع التي تعيش على الأزمات، بل ينحاز في النهاية إلى المشاريع التي تبني الإنسان والدولة.
ولهذا فإن ما يحدث اليوم ليس مجرد توتر إقليمي عابر، بل اختبار حقيقي لمعادلة الاستقرار في الشرق الأوسط؛ اختبار بين من يريد للمنطقة أن تكون فضاءً للتنمية والتعاون، ومن يريد لها أن تبقى ساحة صراع دائم.
وفي هذا الاختبار يقف الخليج، بكل ما يمثله من ثقل سياسي واقتصادي واستراتيجي، كخط الدفاع الأول عن فكرة الدولة العربية في زمن الاضطراب.
فالدفاع عن الخليج اليوم ليس دفاعاً عن حدود جغرافية فحسب،
بل دفاع عن مستقبل المنطقة بأكملها.

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى