من الطبيعي جدا في التعليم العالي في الجامعات العالمية , أن يحصل الطالب على شهادة الدكتورة , بل ويصل إلى رتبة (بروفسور) , بناء على مؤهلاته العلمية , والأبحاث المنشورة والخبرة التدريسية , والتي غالبا ما تكون من وحي (الخيال) او الذكاء الاصطناعي حاليا وليس الميدان ؟! . طبعا لكل قاعدة استثناء , حيث أن الأقسام الوحيدة في التعليم العالي التي تمنح الدكتوراة للممارسين المتميزين من وحي الميدان هي (الفنون الجميلة , الموسيقى) ؟! . لقد تحولت الصين في السنوات الأخيرة إلى بلد المفاجآت (الإكترونيات , الاقتصاد الرقمي , الأجهزة الذكية .. إلخ) , هذا التحول لم يأت من فراغ , بل كان نتيجة طبيعية للتعليم المتطور الذي تشهده البلاد في كافة المجالات . لقد انتقلت الصين من مرحلة إرسال الملايين من الطلاب للدراسة في الجامعات الغربية وبالذات أمريكا من أجل نقل التقنية (الابتعاث) , إلى مرحلة توطين التعليم و (تجويده) . قبل فترة زمنية قصيرة أعلنت الصين عن إلغاء (1650) تخصصا جامعيا تقليديا , واستبدالها بأكثر من (1900) تخصص جديد (الهيكلة) , كي يتماشى التعليم العالي مع التكنولوجيا الناشئة (سوق العمل) . ولكن النقلة النوعية في التعليم العالي صدرت قبل أيام قليلة , حيث قررت الصين استبدال أطروحة الدكتوراة التقليدية بابتكار منتج ملموس , بدلا من كتابة أطروحة من (100) صفحة أو أكثر , وفي النهاية تظل حبيسة الأدراج ولا يقرأها أحد حتى لو تمت التوصية بنشرها ؟! , لا أبالغ إذا قلت بأن من يحمل شهادة (الدكتوراة الفخرية) قد يكون أكثر نفعا ممن يحصل عليها أكاديميا , لأن الحصول عليها يكون بناء على إنجازات استثنائية في (العلوم , السياسة , الثقافة , الإنسانية) , أمثال إيلون ماسك (أمبراطور التقنية) , بيل غيتس (التكنولوجيا) , مهاتير محمد (قائد نهضة ماليزيا) , نيلسون مانديلا , أحمد زويل .. إلخ . التطور النوعي الذي تشهده الصين في التعليم العالي , الذي يتمثل في الانتقال من (الأكاديمية النصية) إلى (الأكاديمية النفعية) , حول الجامعات الصينية من صوامع فكرية (القرية الفاضلة) إلى (محرك إنتاجي) , يغذي السوق والابتكار بشكل فوري (خدمة المجتمع) , ويحول التعليم العالي من غاية (الوظيفة) , إلى وسيلة (الإنتاجية) . أعتقد أن القرار الصيني هذا سوف يحدث نقلة نوعية في التعليم العالي في العالم (ثورة) , وسوف تتجاوز الصين العالم بمسافة فلكية , تكفي للذهاب إلى كوكب المريخ والعودة مرة ثانية سيرا على الأقدام ؟! . وأعتقد أن الطلاب في العالم سوف يبدؤون في شد الرحال إلى الصين بدلا من الدول الغربية (الابتعاث) . وقتها يمكن أن نعيد النظر في الحديث النبوي : اطلب العلم ولو في الصين (حديث ضعيف) , هناك بعض العلماء من طالب بتقوية بعض الأحاديث الضعيفة , والتي تم استبعادها نتيجة غرابتها أو ضعف السند , على الرغم من ان العلم قد أثبت صحتها , ولو من باب (فضائل الأعمال) . من أجل تطوير التعليم العالي في العالم العربي ، وحتى نتمكن من اللحاق في الصين , أقترح أن يتم إعداد المناهج الدراسية المقررة في الجامعات العربية , من قبل من لهم خبرة في العمل الميداني وليس الأكاديمي , على سبيل المثال يتم وضع المقررات التي تتعلق بالاقتصاد والإدارة من قبل من لهم باع طويل في العمل في الشركات العالمية , واسواق الاسهم و والسندات , والتجارة الدولية ، والمصانع , والأعمال الإدارية .. إلخ . ومن يعد المقررات ذات الطابع الهندسي والتقني , لمن كانت له خبرة طويلة في العمل في شركات التقنية والهندسة المدنية والميكانيكية , ومن يعد المقررات قي علم السياسة , لا بد أن يكون له خبرة قي العمل السياسي والمنظمات الدولية والإنسانية , والدبلوماسية ، وهذا يعمم على جميع التخصصات الأخرى . على أن يتولى الأكاديميين في المرحلة الأولى تدريس هذه المقررات . الدين الإسلامي دين حركي ميداني , لا يشعر بحلاوة الإيمان به إلا من عايشه بكل جوارحه , وليس مجرد نصوص بحاجة إلى الفهم والاستيعاب فقط , القرآن الكريم لا يمكن لأحد أن يحسن تلاوته إلا إذا تلقاه عن طالب علم يتقن أحكام التلاوة والتجويد . اللغة العربية ليست مادة نظرية كما يعتقد البعض , بل هي عمل ميداني (الممارسة) , اللغة العربية الآن بحاجة إلى ثورة على الطريقة الصينية , اللغة مثل الكائن الحي ينمو باستمرار . قواعد اللغة العربية (النحو والصرف), البلاغة (المعاني والبيان والبديع) , الأدب (النثر والشعر) ، المصطلحات العلمية .. إلخ , ما زالت للأسف كما كان الحال عليه منذ قرون طويلة لم يتغير فيها أي شيء يذكر , على الرغم من أن الثورة التقنية في العصر الحديث تتطلب ذلك , أعتقد أن من يحاول أن يفعل ذلك قد يتم اتهامه بالزندقة على الطريقة العباسية ، أو (الهرطقة) على طريقة العصور الوسطى في أوروبا ؟! . ثم تأتي المرحلة الثانية في تطوير التعليم العالي من أجل اللحاق في الصين ، والتي تتمثل في الاشتراط على طالب الدكتوراة التميز (الابتكار) ، في مجال معين وأن يكون قابلا للتنفيذ (الحياة) . أخيرا : هذا التوجه لن يلغي الجانب النصي (الأكاديمي) نهائيا ، خاصة في مجالات علم النفس والفلسفة والأدب .. إلخ ، ولكنه يعمل على تحجيم الجانب النصي ، وسيادة الجانب التقني (الابتكار) .
بقلم _ فوزي محمد الأحمدي
أضواء الوطن
- 15/02/2026
- 33912
شاركها
-
ماكرون: “المشهد في غزة يُخجلنا جميعا”منذ 13 دقيقة
-
سعودي وأفتخر
ما شاء الله الله يوفقه نموذج يحتذى به لقوة الإرادة....
-
فيصل الغامدي
امتناني وتقديري....
-
عبدالهادي الصويان
المدير الناجح هو الذي ينجح في تحقيق الأهداف، وينجح في التواص...
-
فاطمة المفرح
دامت حروفك سراجاً ينير طريق الكلمة الطيبة . فقد نظمت من الشع...
-
الاعلامي رشيد البلوي
كتبت فأجدت بورك في قلمك...
أخبار المجتمع
-
أمين سر جمعية الصحافيين الكويتية يحتفل بزفاف نجله «محمد»منذ أسبوع واحد














