/
/
السعودية وصناعة الوعي العربي

السعودية وصناعة الوعي العربي

Picture of صلاح الطاهري

صلاح الطاهري

لطالما ظلّ الوعيُ العربي، في حُقبه المتأخرة، أسير غيابٍ مسؤول؛
غيابٌ لم يكن قدراً بقدر ما كان نتيجةً لارتهان العقل لضجيج الأيديولوجيا، واستلاب الروح لسراب الشعارات التي لم تُورث الأمة إلا انكساراً في الهوية، وتشظياً في الكيان، وانكشافاً أمام كل ريحٍ عاتية.

في تلك العتمة، كان الوعيُ هو الضحية الأولى في وليمة الفوضى، حيث تاهت البوصلة بين ثوراتٍ زائفة وهوياتٍ عابرة للحدود، غيّبت مفهوم الدولة وأعلت من شأن العدم.

وفي هذه اللحظة الفارقة، لم تكن المملكة العربية السعودية تكتفي بالدفاع عن تخومها الجغرافية، بل انبرت لمهمةٍ هي أشق وأبقى… سدَانة الوعي واستعادة المركز.
إن ما تقوده الرياض اليوم ليس مجرد وثبةٍ تنموية، بل هو زحزحةٌ معرفية كبرى؛ إذ أعادت تعريفَ العلاقة بين الذات والعصر، وبين النص والواقع، لترسي دعائم وعيٍ فاعل، لا يكتفي بالقراءة، بل يمارس الكتابة على جدار المستقبل.

لقد بدأ هذا الانبعاث من محراب الروح؛ حين مارست السعودية شجاعةً حضارية في تنقية الوعي الديني من شوائب الاختطاف، معيدةً للإسلام بهاءه بوصفه رسالة إعمارٍ لا دمار؛ لتصبح الوسطيةُ عندها سياجاً يحمي العقل العربي من الانزلاق نحو حافات الغلو أو لُجج التفسخ.
وبوصفها مهبط الوحي، قدمت الرياض للعالم الإسلامي أنموذجاً يبرهن على أن قداسة الأصل لا تنافي حداثة العصر، بل تمنحها المعنى والوقار.

وعلى ضفاف الهوية والتاريخ، انتشلت السعودية العقل العربي من متاحف البكاء؛ فاستنطاق العلا والدرعية لم يكن نكوصاً للماضي، بل كان استدعاءً للجذر لتقوية الغصن.

اعلان

لقد صنعت وعياً يرى في التاريخ قوةً دافعة، مانحةً الإنسان العربي الحق في أن يكون حداثياً بامتياز، وعريقاً باعتزاز، دون أن يشعر بوهنِ التبعية أو غُربة الانفتاح؛ فالهوية السعودية اليوم هي “درعُ الوعي” ضد الإستلاب الثقافي.

وفي محيط السياسة، كانت الرياض هي العقل الرزين الذي سعي لايقاف نزيف العبث.
من اليمن الذي تزرع فيه بذور الدولة والسيادة في مواجهة سديم المليشيات، إلى سوريا والسودان وكل قُطرٍ أثخنته الجراح؛ لم تكن السعودية تبيع أوهاماً، بل كانت تُصدّر وعي الاستقرار.

لقد علّمت الأمة أن السيادة لا تُنال بالصراخ، بل ببناء المؤسسات وتوطين المنجز؛ مما خلق حالةً من القبول العفوي والائتمان الحضاري لدى الشعوب التي رأت في البراغماتية السعودية مَرفأً ينجيها من أمواج الفوضى.

إن السعودية اليوم تصنع وعياً يقوم على سلطة الأنموذج؛ فعندما يرى الشاب العربي أن الصحراء أضحت مختبراً للذكاء الاصطناعي، وأن الفكرة تتحول إلى واقعٍ ملموس في “نيوم”
و”ذا لاين”، فإنه يطلّق وعي الخيبة ليعتنق ثقافة المنجز.

إنها رحلةُ الانتقال من ترميم الذاكرة إلى هندسة الأمل؛ حيث تقف المملكة كحجر زاويةٍ في بناء العقل العربي الجديد، مؤكدةً أن القيادة الحقيقية ليست وصايةً تُفرض، بل هي وعيٌ يُلهم، ونورٌ يضيءُ مسالك الأمة نحو فجرٍ يليق بتاريخها العظيم.

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى