/
/
الذكاء الاصطناعي أديبًا.. كيف يمكن ذلك؟!

الذكاء الاصطناعي أديبًا.. كيف يمكن ذلك؟!

Picture of يحيى مراد

يحيى مراد

كان الأدب، طوال تاريخه، واحدًا من أكثر مجالات الإبداع التصاقًا بالإنسان؛ لأنه يصدر عن الذاكرة والعاطفة والتجربة والخيال، ويعبّر عن الفرح والحزن والحب والخوف والاغتراب والأمل. ولذلك بدا، حتى وقت قريب، أن الأدب هو الحصن الأخير الذي يصعب على الآلة اقتحامه. غير أن التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي أعاد طرح سؤال كان يبدو غريبًا قبل سنوات قليلة: هل يمكن أن يصبح الذكاء الاصطناعي أديبًا؟
قد يبدو السؤال للوهلة الأولى استفزازيًا؛ فالأديب في التصور التقليدي إنسان عاش تجربة، ثم صاغها لغةً وصورةً وإيقاعًا ومعنى. أما الذكاء الاصطناعي فلا يعيش طفولة، ولا يهاجر، ولا يحب، ولا يفقد عزيزًا، ولا يقف أمام البحر متأملًا، ولا يعرف معنى الحنين كما يعرفه الإنسان. فكيف يكتب قصة أو قصيدة أو خاطرة قد تؤثر في القارئ؟
الإجابة تبدأ من التمييز بين أمرين: إنتاج النص الأدبي، وامتلاك التجربة الأدبية. فالذكاء الاصطناعي يستطيع اليوم إنتاج نصوص تحمل كثيرًا من الخصائص الشكلية والأسلوبية للأدب، لكنه لا يعني بذلك أنه أصبح صاحب تجربة إنسانية مماثلة لتجربة الأديب.
كيف تعلم الذكاء الاصطناعي الكتابة الأدبية؟
تعتمد نماذج الذكاء الاصطناعي اللغوية على التدريب على كميات ضخمة من النصوص، فتتعلم العلاقات بين الكلمات والجمل والأساليب، وتكتشف أنماطًا متكررة في التعبير والسرد والوصف والحوار.
وعندما يُطلب منها كتابة قصة حزينة، فإنها لا «تحزن»، لكنها تعرف من خلال الأنماط اللغوية كيف تُبنى اللغة التي يفهمها الإنسان بوصفها حزينة.
وعندما يُطلب منها وصف الشوق، فهي لا تشتاق، لكنها تستطيع أن تولد صورًا وألفاظًا وتراكيب ارتبطت في الكتابات البشرية بمعنى الشوق.
وهنا تظهر المفارقة: الآلة لا تشعر بالمعنى، لكنها تستطيع بناء لغة تحمل معنى بالنسبة إلينا. وهذا وحده كافٍ لإحداث تحول كبير في مفهوم الكتابة.
هل يستطيع الذكاء الاصطناعي كتابة الشعر؟
يستطيع الذكاء الاصطناعي كتابة نصوص شعرية بدرجات متفاوتة من الجودة، وتقليد بعض البنى الإيقاعية أو الأساليب البلاغية، واقتراح صور وتشبيهات واستعارات.
وفي الشعر العربي يمكنه المساعدة في توليد أبيات موزونة أحيانًا، أو اقتراح قوافٍ، أو إعادة صياغة بيت، أو البحث عن صور بلاغية، أو محاكاة روح نمط شعري معين دون نسخ نص بعينه.
لكن الفرق يبقى واضحًا بين الوزن الشعري والشعر. فقد يكون البيت صحيح الوزن والقافية، لكنه لا يهز القلب.
وقد تكون العبارة من الناحية الفنية سليمة، لكنها بلا ضرورة داخلية.
فالشاعر الحقيقي لا يختار الكلمة لأنها مناسبة إحصائيًا، وإنما لأنها في تلك اللحظة هي الكلمة التي يشعر أنه لا يستطيع استبدالها بغيرها.
وهذه المسافة بين «الصياغة الجيدة» و«الضرورة الشعورية» هي إحدى أصعب المسافات التي تواجه فكرة الذكاء الاصطناعي الأديب.
القصة والرواية.. مساحة أوسع للآلة
ربما تكون القصة والرواية أكثر قابلية للاستفادة من الذكاء الاصطناعي من الشعر. فالأدب السردي يتكون من عناصر يمكن للذكاء الاصطناعي التعامل معها بوضوح: الشخصيات، والحبكة، والمكان، والزمن، والصراع، والحوار، ونقطة التحول، والنهاية.
يمكن للكاتب أن يقول مثلًا: “لدي شخصية طبيب متقاعد يعيش وحيدًا، وأريد أن تتحول حياته بعد رسالة غامضة تصل إليه”.
فيقترح الذكاء الاصطناعي عشرات الاحتمالات للحبكة، ويصمم خلفيات للشخصيات، ويقترح نهايات مختلفة. وهنا لا يصبح الذكاء الاصطناعي بديلًا عن الروائي بالضرورة، بل يتحول إلى ما يشبه غرفة أفكار دائمة يعمل فيها الكاتب.
ويمكنه أن يسأل الآلة: ماذا لو حدث كذا؟ كيف يمكن أن تتطور هذه الشخصية؟ هل هذا الحوار مقنع؟ هل توجد فجوة في الحبكة؟ ما النهاية الأكثر تأثيرًا؟
وهذه قدرة لم تكن متاحة للأديب بهذه السرعة من قبل.
هل يمكن للآلة أن تمتلك أسلوبًا؟
الأسلوب الأدبي هو أحد أهم مظاهر شخصية الكاتب، فنحن نقرأ فقرة أحيانًا فنعرف صاحبها قبل رؤية اسمه.
فالأسلوب ليس مجرد كلمات، بل هو طريقة في رؤية العالم.
والذكاء الاصطناعي يستطيع توليد أنماط أسلوبية مختلفة: لغة مقتضبة، أو شاعرية، أو ساخرة، أو فلسفية، أو سردية هادئة. لكن السؤال الأصعب هو: هل يستطيع أن يصنع أسلوبًا خاصًا به؟
أما من الناحية التقنية يمكن لنموذج أن ينتج خصائص لغوية متكررة تصبح مميزة لنصوصه، لكن الأسلوب الإنساني ينشأ عادة من تراكم طويل للتجربة والثقافة والذاكرة والموقف من الحياة.
فأسلوب نجيب محفوظ مثلًا ليس مجرد بناء جملة. وأسلوب المتنبي ليس مجرد قاموس. فالأسلوب خلاصة الإنسان الذي يقف خلف النص، ولهذا يمكن للآلة أن تمتلك «بصمة لغوية»، لكن الحديث عن «شخصية أدبية» لها بالمعنى الإنساني يظل موضع نقاش.

الذكاء الاصطناعي والخيال
يقال عادة: إن الإبداع يعني إنتاج شيء جديد. لكن الجديد نفسه كثيرًا ما يولد من إعادة تركيب عناصر قديمة بصورة غير مألوفة. وهذا بالضبط من مواطن قوة الذكاء الاصطناعي. فهو يستطيع الجمع بين عناصر متباعدة جدًا.
فيمكن أن تطلب منه مثلًا: اكتب قصة بوليسية تقع أحداثها في بغداد العباسية ولكن بمنطق روايات الخيال العلمي.
أو: تخيل حوارًا فلسفيًا بين عالم فلك وشجرة معمرة. أو: ابنِ مدينة مستقبلية يكون الشعر فيها عملة متداولة.
تلك التركيبات قد تساعد الكاتب على الخروج من قوالب التفكير المعتادة. لكن السؤال: هل هذا خيال حقيقي؟
ربما الأفضل أن نقول إنه خيال توليدي؛ فهو ينتج احتمالات جديدة من أنماط معرفية سابقة، بينما الخيال الإنساني يرتبط أيضًا بالتجربة والرغبة والحلم والخوف واللاوعي.
من يكتب النص: الإنسان أم الآلة؟
ستصبح هذه المسألة أكثر تعقيدًا. إذا كتب الإنسان الفكرة، ووضع الشخصيات، وحدد الحبكة، ثم جعل الذكاء الاصطناعي يقترح الصياغة، فمن المؤلف؟ وإذا كتبت الآلة المسودة الأولى، ثم أعاد الإنسان بناء نصفها، فمن صاحب العمل؟
وإذا كتب الإنسان الرواية كاملة واستخدم الذكاء الاصطناعي في التدقيق والأسلوب فقط، فهل يختلف ذلك كثيرًا عن الاستعانة بمحرر أدبي؟ وربما سنحتاج مستقبلاً إلى فهم جديد للتأليف، يميز بين مستويات المشاركة:
تأليف بشري كامل، وتأليف بشري بمساعدة الذكاء الاصطناعي، وتأليف مشترك، ونص مولد آليًا.
والشفافية هنا ستكون مهمة، خصوصًا في الجوائز الأدبية والنشر الأكاديمي والمسابقات.
هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يكتب أدبًا عظيمًا؟
هذا السؤال أصعب من سؤال: هل يستطيع كتابة نص جميل؟ فالنص العظيم ليس مجرد مجموعة استعارات مدهشة أو حبكة محكمة. والأدب العظيم يغير شيئًا في رؤيتنا للحياة. ويجعل القارئ يرى نفسه أو العالم بطريقة لم يرها من قبل.
والأعمال التي بقيت عبر القرون لم تبق بسبب الصنعة اللغوية وحدها، بل لأنها لامست أسئلة الإنسان الكبرى: الموت، والحب، والعدل، والحرية، والخيانة، والإيمان، والوحدة، والمصير.
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يناقش هذه المعاني، لأنه قرأ عنها كثيرًا، لكن السؤال هو: هل يستطيع اكتشاف زاوية إنسانية جديدة حقًا لمجرد أنه عالج النصوص السابقة؟
هذا هو الامتحان الحقيقي.

 

الأديب الجديد قد يكون إنسانًا يستخدم الذكاء الاصطناعي
قد يكون الخطأ الأكبر هو تصور المستقبل بوصفه منافسة بين: الأديب والآلة.
ربما المنافسة الحقيقية ستكون بين: أديب يستخدم الذكاء الاصطناعي بذكاء، وأديب لا يعرف كيف يستخدمه.
يمكن للأديب أن يجعل الذكاء الاصطناعي: مساعدًا في البحث، ومولدًا للأفكار، ومراجعًا أوليًا، ومختبرًا للحوار، وأداةً لاختبار الحبكات، ومساعدًا في التحرير.
لكن الإبداع النهائي يبقى في كيفية اختيار الإنسان مما تقدمه الأداة. فالآلة تستطيع أن تقدم مئة استعارة، لكن الكاتب هو الذي يعرف أي واحدة منها تنتمي إلى نصه.
وتستطيع اقتراح عشر نهايات، لكن الأديب هو الذي يشعر أن نهاية واحدة فقط تحقق معنى العمل.
ماذا يحدث إذا أصبح إنتاج الأدب سهلًا؟
قد نشهد في المستقبل انفجارًا هائلًا في عدد القصص والروايات والقصائد. فكل إنسان سيكون قادرًا على كتابة رواية خلال أيام بمساعدة الذكاء الاصطناعي. لكن هذا سيخلق مفارقة: كلما أصبح إنتاج النصوص أسهل، أصبح العثور على النص الجيد أصعب.
وهنا ستزداد قيمة التحرير والاختيار والذوق. قد لا تكون المشكلة في المستقبل نقص الكتب، بل كثرتها. وسيتحول السؤال من: من يستطيع أن يكتب؟ إلى: من لديه شيء يستحق أن يُقرأ؟
ماذا يبقى للإنسان؟
يبقى له أهم شيء: التجربة.
الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يصف فقدان الأب، لكنه لم يفقد أبًا. ويستطيع أن يكتب عن الوطن، لكنه لم يغادر وطنًا ولم يعد إليه. ويستطيع أن يكتب عن الشيخوخة، لكنه لا يستيقظ صباحًا ليكتشف أن جسده تغير.
هذه التجربة تمنح الأدب الإنساني نوعًا من الصدق لا يمكن اختزاله في جودة الصياغة. لكن هذا لا يعني أن كل ما يكتبه الإنسان صادق أو عظيم، ولا أن كل ما تنتجه الآلة ضعيف. بل يعني أن مصدر المعنى مختلف.
خطر التشابه والاستسهال
هناك خطر آخر. فإذا اعتمد الكتاب اعتمادًا مفرطًا على الأدوات نفسها، فقد تبدأ النصوص في التشابه. فالعبارات الأنيقة، والصور المتوازنة، والنهايات المؤثرة، قد تتحول إلى قوالب جاهزة. وهنا يصبح دور الأديب مقاومة سهولة الأداة.
فالأدب لا يحتاج دائمًا إلى الجملة الأجمل، بل إلى الجملة الأصدق. وقد يكون النص الخشن الذي يحمل تجربة حقيقية أكثر قيمة من نص بالغ الأناقة لكنه بلا روح.

الأدب في عصر الذكاء الاصطناعي
لن ينتهي الأدب بسبب الذكاء الاصطناعي، كما لم تنتهِ الرواية بسبب السينما، ولم ينتهِ الرسم بسبب التصوير الفوتوغرافي.
لكن مفهوم الكتابة سيتغير. وسنرى أشكالًا جديدة: روايات تتغير أحداثها بحسب القارئ، وقصصًا تفاعلية تتولد لحظة القراءة، وشخصيات أدبية يمكن للقارئ محاورتها، وأعمالًا مشتركة بين مؤلفين بشريين وأنظمة ذكية.
وقد تظهر أجناس أدبية لم نعرف أسماءها بعد.
هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يصبح أديبًا؟
إذا كان المقصود بالأديب من يستطيع إنتاج نص أدبي مقنع وجميل، فإن الذكاء الاصطناعي يقترب بالفعل من ذلك.
أما إذا كان الأديب هو الإنسان الذي يحول تجربته ووعيه وألمه وأسئلته إلى لغة، فإن المسألة مختلفة.
فالآلة تستطيع أن تتعلم شكل الحزن، لكنها لا تحزن.
وتستطيع أن تصف الحب، لكنها لا تنتظر حبيبًا.
وتستطيع أن تكتب عن الموت، لكنها لا تعرف أنها ستموت.
وربما لهذا السبب لن يكون السؤال الأهم مستقبلًا: هل تستطيع الآلة أن تكتب مثل الإنسان؟
بل: هل يستطيع الإنسان، وهو يستخدم آلة شديدة القدرة على الكتابة، أن يظل صاحب صوت وتجربة ورؤية لا تستطيع الآلة أن تمنحه إياها؟
ففي عصر يستطيع فيه الجميع إنتاج الكلمات، قد تصبح مهمة الأديب الحقيقية ليست صناعة المزيد منها، وإنما منح الكلمات روحًا لا تأتي إلا من الإنسان.

اعلان

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى